كذلك أن يستكثر من معرفة الطرق المخالفة والأهواء, وهذا لا يعرف جميع الطرق والأهواء على سبيل الإطلاق, وإنما يعرف طرائق أهل الأهواء في زمنه, إلى ماذا يدعوه من الشر؟ وماذا قال الله عز وجل عنهم؟ وما الموقف من أولئك؟ وماذا حذر منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الصدق والاتباع من أهل المعرفة بكلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إذا استكثر من ذلك كان من أهل المعرفة واليقين.
ثانيها: أن يعتمد الإنسان على الله وأن يتكل عليه. ومن أعظم وجوه الاتكال: الاطراح والافتقار بين يدي الله عز وجل والإكثار من سؤال الله, وقد جاء في الترمذي وغيره، وأصله في الصحيح: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر دعائه: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك, فقالت أم سلمة عليها رضوان الله: يا رسول الله! إنك تكثر من قول: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء) , وفي هذا الحديث خوف من زيغ القلب, والخائف من ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وجل وخاف من ذلك فإنه ينبغي أن يوجل وأن يخاف من أي إنسان, وهذا يعطي الإنسان إظهار الافتقار والالتجاء إلى الله والاطراح بين يديه, وكأن الإنسان يقول: اللهم هذا الضعف وهذا عقلي, لا هداية لي إلا بك؛ كحال الإنسان حينما يسلك طريقًا من طرق مسيره ونحو ذلك, ويأتي ويستمسك بشخص ويقول: إني رجل تائه, ولا أعرف أحدًا من هذا الطريق ولا في هذا البلد, ولا أحمل زادًا ونحو ذلك, ثم قام بالتضرع بين يديه أن يسلك به ذلك الطريق, ألا يكون بمعاونته قد اطرح وأظهر الضعف، ولله المثل الأعلى.