ويضل كثير من الناس الذين يعرفون طريق الحق، ولكنهم لا يعرفون طرق الباطل, فإذا كان الإنسان عارفًا بطرق الباطل كما يعلم بطريق الحق كان أرسخ وأثبت وأقعد, وكلما جاءته الأهواء والآراء والأفكار المضلة كان على معرفة سابقة بذلك وعلى يقين مما هو عليه, ولهذا الله جل وعلا يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة, يثبتهم الله جل وعلا بالقول الثابت, والمراد بالثبات هنا؛ العمل، أي معرفة الحق, ومعرفة الباطل أيضًا, معرفة الحق وسلوك ذلك الطريق، ومعرفة الباطل والنفرة منه. ولهذا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتي إلى مسألة أو حكم من الأحكام إلا وقد بين الحق وبين ما يخالفه, فنأتي إلى توحيد الله, فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن التوحيد بجميع أنواعه، ثم حذر من ضده وهو الشرك بجميع التفاصيل؛ الشرك الأكبر والشرك الأصغر وأنواع ذلك؛ لماذا؟ الإنسان قد يعرف التوحيد؛ أن يفرد الله عز وجل بالعبادة, وأن يصلي لله جل وعلا, وأن يصوم له, وأن يزكي ويتصدق لله جل وعلا, ولكن ثمة أقوام تخالف ذلك؛ منها ما يتعلق بالشرك الأصغر أو الأكبر, فيظن بعضهم أنه لو كان جاهلًا بها أنها لا تنافي ذلك التوحيد.
والشيطان يأتي الإنسان في انحرافه على سبيل التدرج, فيحيده شيئًا فشيئًا، حتى إذا طال به الأمد شعر أنه انحرف عن طريق الحق ولم يكن ثابتًا عليه, وهذا جعله الله عز وجل أمرًا كونيًا حتى في مسير الإنسان في الأرض, فالإنسان إذا سلك طريقًا في الصحراء أو سار في الليل ودرج فيه، وقال: إني أريد أن أسلك طريق الاستقامة ولا أحيد عنه، وأسير في هذا الاتجاه, فإذا طال به المسير ولم يكن له هادٍ يجد أنه قد انعكست جهته وهو لا يشعر, وذلك أنه ينحرف ببطء يسير جدًا حتى إذا طال به الأمد وجد أنه قد انحرف.