والله سبحانه وتعالى يذكر من معاني الثبات لنبيه عليه الصلاة والسلام ما يمر عليها القارئ مرور الكرام, نوح عليه السلام لبث في قومه داعيًا إلى الله ألف سنة إلا خمسين عامًا, هذه مدة طويلة, والإنسان حينما يقوم بتكرار النصيحة على واحد, يقوم بنصحه مرة ومرتين ثم يشعر بالملل, ونوح بقي على هذا الأمر ألف سنة إلا خمسين عامًا, لم يراجع نفسه أو يشكك في مبدئه, أو يقول: ربما أخطأت, أو ربما لم أحسن الدعوة, أو الدعوة التي دعوت إليها كانت غلوًا أو تشددًا أو كانت تزمتًا أو غير ذلك، فما دام على يقين بذلك الحق ولم يتبعه الناس فلا يعني ذلك خللًا في الرسالة, وإنما يعني أن الله عز وجل ما قدر لهؤلاء القوم هداية. وقد يكون الإنسان على حق واستبصار، ولا يتبعه في ذلك أحد, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يأتي النبي يوم القيامة ومع الرجل, ويأتي النبي ومعه الرجلان, ويأتي النبي وليس معه أحد) , فالقصور فيمن؟ النبي يدعو ومعه أعظم حجة وهو كلام الله سبحانه وتعالى, والداعي في ذلك نبي, هو خير أهل زمانه, والذين يدعوهم إلى الحق الذي معه هم أناس أنزل كلام الله جل وعلا إليهم بلغتهم, فهم أفصح من يفهم تلك اللغة, إذًا ظهرت الحجة واجتمعت هذه الأمور من جميع جهاتها, ثم ما اتبعوا في ذلك الحق, وإنما كانوا معاندين, ومع ذلك صبروا.