وأما استدلالهم بالعمومات وقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه) ، فهذا أمر قد وضع في غير موضعه، وهو أمر محمود على الصفة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أن يبادر الإنسان في حال رؤيته لمصاب، لا أن يتفرغ لرقية الناس، وأن يبحث أو يدعو الناس إليه، ولهذا سعد بن أبي وقاص عليه رضوان الله تعالى أنكر على من قصده أن يرقيه مع علمه بأنه يعلم من القرآن، فقال: (جعلتني نبيًا؟) يعني: أن هذا يورث القارئ شيئًا من العجب والثقة بنفسه مما لا ينبغي أن يكون، وهذا إذا كان في سعد بن أبي وقاص وهو من علية الناس فإنه في غيره من باب أولى. المفسدة الثالثة: من المفاسد أن الإنسان ربما يعلق نفسه بذلك القارئ من دون الله جل وعلا، فإذا لم يعلق به في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة تعلق به فيما بعد ذلك. ولابد أن نعلم أن الشيطان هو سبب لكثير من الدواخل والعوارض التي تطرأ على الإنسان، فإذا كان يريد كبح الإنسان عن مواضع الطاعة، أصابه بنفس أو بآهة ونحو ذلك، فرأى أو علم أن الإنسان يفسد ذلك الرجل بصلاحه ونحو ذلك، فإنه ربما يكون من مداخل الشيطان أن يزيل منه ذلك المرض إذا كان الشيطان من أسباب تلك المصيبة وذلك العمل الذي طرأ على الإنسان، فيزيله منه عند إتيان ذلك الرجل الصالح أو الرجل الخير، الذي يقرأ عليه ولو كان من عامة الناس؛ لأن المفسدة الأعظم أن يعلقه بذلك الشخص، فإذا بعد عنه عاد إليه، ويريد من ذلك أن يعلقه بذلك الرجل حتى يزول معه التوكل، ويزول معه قوة الإيمان حتى ربما يتعلق به من دون الله جل وعلا، فربما يشرك في مثل ذلك، وهذا من مكائد الشيطان وحبائله. وينبغي للإنسان وينبغي للقراء الذين يتفرغون للقراءة أن يتقوا الله جل وعلا في هذا الأمر، وأن يقدروا الأمور التي جاءت في النصوص الشرعية بقدرها، وأن يدرك الإنسان أن تفرغه لذلك فيه ما فيه من المفاسد.