إن الله سبحانه وتعالى قد فطر الإنسان على فطرة صحيحة معتدلة، وهذه الفطرة هي التي فطر الله عز وجل عليها الناس، ولو لم يكن هناك أعداء للإنسان وخصوم تجتاله لأصاب الحق الذي أراده الله جل وعلا له، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل للإنسان أعداء، وهؤلاء الأعداء هم الذين يحرفون فطرة الإنسان عما أرادها الله، ولهذا جاء في الخبر: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) ، ولو لم يكن للإنسان عدو من ذاته -وهي نفسه- أو عدو من خارجه -من شياطين الإنس والجن- لأصاب تلقائيًا رضا الله جل وعلا، ولما أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل, وأنزل الكتب, ولكن جعل الله جل وعلا ثمة معادلة؛ وهي أن الإنسان يقف في النصف وعن يساره من يجتاله من الشياطين، وعن يمينه من يرشده من الأنبياء والمرسلين, والإنسان حينئذٍ يحكم عقله بين هذين السبيلين، فإن سلك طريق الحق كان ممن أعمله بالحق، وإن سلك طريق الباطل كان ممن أعمله بالباطل. والناس بقدر انحرافهم عن الصراط المستقيم يتميزون من جهة الفضل والشر، فإذا مالوا إلى الحق وسلكوا طريقه بميل يسير ببعد عن الشر كانوا من أهل الهداية والقرب بحسب قربهم من طريق اليمين، وإذا أخذوا شمالًا وانحرفوا عن الصراط المستقيم فبحسب انحرافهم وبعدهم عن الحق يكونون من أهل المقت والشر والضلال، ولهذا جعل الله جل وعلا للخير درجات، وجعل للشر دركات، وما جعل الله سبحانه وتعالى الناس على مرتبة واحدة, وذلك مقتضى عدل الله جل وعلا في قوله: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] ، ومقتضى ما جاء أيضًا في الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام حاكيًا عن الله جل وعلا أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي, وجعلته بينكم محرمًا) ، فحرم الله عز وجل أن يظلم عبده فيجعله كغيره ممن وقع في الخطأ.