الصفحة 9 من 36

ولهذا نقول: إن الشبهات من جهة قوتها وضعفها تتباين باعتبارات متعددة؛ من هذه الاعتبارات ما يتعلق بذات الشبهة، فالشبهة بذاتها قد تكون قوية وثقيلة، وقوتها وثقلها وعظمها يرجع إلى اعتبارات أيضًا، ومن ذلك: ما يتعلق بعقل الإنسان وإدراكه، فمن الشبهات ما يجد الإنسان له حلًا وجوابًا، ومنها ما لا يجد الإنسان لها حلًا وجوابًا، وذلك ليس بأن هذه الشبهة هي مصادمة لأصل العلم الذي أوجده الله لها، وإنما لضعف المدرك به؛ وهو العقل؛ فالعقل كحال الإناء يدرك شيئًا ولا يدرك شيئًا غيره، ولهذا الإنسان يدرك المشاهدات ولا يدرك غيرها، والإنسان يقيس كثيرًا من الأمور المشاهدة فإذا وجد غيرها قاس عليها، وإذا خرج عن بيئته وطبيعته لا يستطيع الإنسان أن يتمكن في ذلك، ولهذا الإنسان الذي يسير في الأرض على سيارته ودابته وهو يعرف الطريق، فإنه يتقن من معرفة أمور الأرض ما لا يتقنه غيره ممن لم يسلك هذه الأمور, كذلك أيضًا: من كان يقود المركبة على الأرض فإنه يختلف عن الإنسان الذي يقود الطائرة, إذًا: الإنسان الذي يعرف الطرق كحال الإنسان الذي يكون في الأرض؛ وذلك لأن الإنسان جرب هذه الأمور. ومنها: ما لا يدركه الإنسان باعتبار أن عقل الإنسان محجوب عن مثل هذا الإدراك؛ وذلك ما لا مثيل له ولا نظير، ولذلك يجعل العلماء من المتشابهات ما يتعلق بأسماء الله عز وجل وصفاته, وصفات الله سبحانه وتعالى من وجه هي من الأمور المتشابهة، وذلك أن الله عز وجل يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] ، فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، فالإنسان إذا أراد أن يقيس غائبًا على مشاهد فلابد أن ينظر إلى أجزاء المشاهد ثم يقيس عليه الغائب، ولهذا الله عز وجل أغلق باب التأمل في هذا؛ لأنه لا مثيل له في المحسوسات حتى يقوم الإنسان بتأملها وتدبرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت