رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن على بن أبى طالب قاتلهم وأنا معه. فأمر بذلك الرجل فالتمس، فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى نعته.
فهؤلاء الخوارج المارقون من أعظم ما ذمهم به النبى صلى الله عليه وسلم: أنهم يقتلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان، وذكر أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس، والخوارج مع هذا لم يكونوا يعاونون الكفار على قتال المسلمين، والرافضة يعاونون الكفار على قتال المسلمين، فلم يكفهم أنهم لا يقاتلون الكفار مع المسلمين حتى قاتلوا المسلمين مع الكفار، فكانوا أعظم مروقًا عن الدين من أولئك المارقين بكثير، كثير.
وقد أجمع المسلمون على وجوب قتال الخوارج والروافض ونحوهم إذا فارقوا جماعة المسلمين، كما قاتلهم على ـ رضى الله عنه ـ فكيف إذا ضموا إلى ذلك من أحكام المشركين ـ كنائسًا ـ وجنكسخان ملك المشركين: ما هو من أعظم المضادة لدين الإسلام، وكل من قفز إليهم من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم، وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام. وإذا كان السلف قد /سموا مانعى الزكاة مرتدين ـ مع كونهم يصومون، ويصلون، ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين ـ فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلا للمسلمين؟! مع أنه والعياذ بالله لو استولى هؤلاء المحاربون لله ورسوله، المحادون لله ورسوله، المعادون لله ورسوله، على أرض الشام ومصر في مثل هذا الوقت، لأفضى ذلك إلى زوال دين الإسلام ودروس شرائعه.
أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما، فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحق الناس دخولًا في الطائفة المنصورة التى ذكره النبى صلى الله عليه وسلم بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه: (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لايضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة) . وفى رواية لمسلم: (لا يزال أهل الغرب) .
والنبى صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا الكلام بمدينته النبوية، فغربه ما يغرب عنها، وشرقه ما يشرق عنها، فإن التشريق والتغريب من الأمور النسبية، إذ كل بلد له شرق وغرب؛ ولهذا إذا قدم الرجل إلى الإسكندرية من الغرب يقولون: سافر إلى الشرق، وكان أهل المدينة يسمون أهل الشام: أهل الغرب، ويسمون أهل نجد والعراق: أهل الشرق، كما في حديث ابن عمر قال: قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا، وفى /رواية: من أهل نجد. ولهذا قال أحمد بن حنبل: (أهل الغرب) هم أهل الشام ـ يعنى: هم أهل الغرب ـ كما أن نجد والعراق أول الشرق، وكل ما يشرق عنها فهو من الشرق، وكل ما يغرب عن الشام من مصر وغيرها فهو داخل في الغرب. وفى الصحيحين: أن معاذ بن جبل قال في الطائفة المنصورة: وهم بالشام. فإنها أصل المغرب، وهم فتحوا سائر المغرب، كمصر، والقيروان، والأندلس، وغير ذلك.
وإذا كان غرب المدينة النبوية ما يغرب عنها، فالحيرة ونحوها على مسامتة المدينة النبوية، كما أن حران، والرقة، وسميساط ونحوها على مسامتة مكة، فما يغرب عن البيرة فهو من الغرب الذين وعدهم النبى صلى الله عليه وسلم؛ لما تقدم. وقد جاء في حديث آخر في صفة الطائفة المنصورة: (أنهم بأكناف البيت المقدس) . وهذه الطائفة هى التى بأكناف البيت المقدس اليوم.
ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت، يعلم أن هذه الطائفة هى أقوم الطوائف بدين الإسلام، علمًا، وعملًا، وجهادًا عن شرق الأرض وغربها؛ فإنهم هم الذين يقاتلون أهل الشوكة العظيمة من المشركين وأهل الكتاب، ومغازيهم مع النصارى، ومع المشركين من الترك، ومع الزنادقة المنافقين من الداخلين في الرافضة وغيرهم، كالإسماعيلية ونحوهم من القرامطة معروفة، معلومة قديمًا وحديثًا. والعز الذى للمسلمين بمشارق الأرض ومغاربها هو بعزهم؛ ولهذا لما