الصفحة 65 من 85

هزموا /سنة تسع وتسعين وستمائة دخل على أهل الإسلام من الذل والمصيبة بمشارق الأرض ومغاربها ما لا يعلمه إلا الله. والحكايات في ذلك كثيرة ليس هذا موضعها.

وذلك أن سكان اليمن في هذا الوقت ضعاف، عاجزون عن الجهاد أو مضيعون له، وهم مطيعون لمن ملك هذه البلاد، حتى ذكروا أنهم أرسلوا بالسمع والطاعة لهؤلاء، وملك المشركين لما جاء إلى حلب جرى بها من القتل ما جرى. وأما سكان الحجاز فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة، وفيهم من البدع والضلال والفجور ما لا يعلمه إلا الله، وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون، وإنما تكون القوة والعزة في هذا الوقت لغير أهل الإسلام بهذه البلاد، فلو ذلت هذه الطائفة ـ والعياذ بالله تعالى ـ لكان المؤمنون بالحجاز من أذل الناس، لاسيما وقد غلب فيهم الرفض، وملك هؤلاء التتار المحاربون لله ورسوله الآن مرفوض، فلو غلبوا لفسد الحجاز بالكلية. وأما بلاد إفريقية فأعرابها غالبون عليها، وهم من شر الخلق، بل هم مستحقون للجهاد والغزو. وأما المغرب الأقصى فمع استيلاء الإفرنجة على أكثر بلادهم، لا يقومون بجهاد النصارى هناك، بل في عسكرهم من النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم. لو استولى التتار على هذه البلاد لكان أهل المغرب معهم من أذل الناس، لاسيما والنصارى /تدخل مع التتار فيصيرون حزبًا على أهل المغرب.

فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التى بالشام ومصر في هذا الوقت هم كتيبة الإسلام، وعزهم عز الإسلام، وذلهم ذل الإسلام. فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز، ولا كلمة عالية، ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل عنه.

فمن قفز عنهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار؛ فإن التتار فيهم المكره وغير المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلى من وجوه متعددة. منها: أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلى. ومنها: أن المرتد يقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلى الذى ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبى حنيفة ومالك وأحمد؛ ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يقتل كما هو مذهب مالك والشافعى وأحمد. ومنها: أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلى. إلى غير ذلك من الأحكام.

وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلى عن شرائعه؛ ولهذا كان كل مؤمن يعرف أحوال التتار، ويعلم أن المرتدين الذين فيهم / من الفرس والعرب وغيرهم شر من الكفار الأصليين من الترك ونحوهم، وهم بعد أن تكلموا بالشهادتين مع تركهم لكثير من شرائع الدين خير من المرتدين من الفرس والعرب وغيرهم، وبهذا يتبين أن من كان معهم ممن كان مسلم الأصل هو شر من الترك الذين كانوا كفارًا؛ فإن المسلم الأصلى إذا ارتد عن بعض شرائعه، كان أسوأ حالًا ممن لم يدخل بعد في تلك الشرائع، مثل مانعى الزكاة وأمثالهم ممن قاتلهم الصديق. وإن كان المرتد عن بعض الشرائع متفقها أو متصوفًا أو تاجرًا أو كاتبًا أو غير ذلك، فهؤلاء شر من الترك الذين لم يدخلوا في تلك الشرائع وأصروا على الإسلام؛ ولهذا يجد المسلمون من ضرر هؤلاء على الدين ما لا يجدونه من ضرر أولئك، وينقادون للإسلام وشرائعه وطاعة الله ورسوله أعظم من انقياد هؤلاء الذين ارتدوا عن بعض الدين، ونافقوا في بعضه، وإن تظاهروا بالانتساب إلى العلم والدين.

وغاية ما يوجد من هؤلاء يكون ملحدًا، نصيريًا، أو إسماعيليًا، أو رافضيًا. وخيارهم يكون جهميًا اتحاديًا أو نحوه، فإنه لا ينضم إليهم طوعًا من المظهرين للإسلام إلا منافق أو زنديق أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت