الصفحة 66 من 85

فاسق فاجر. ومن أخرجوه معهم مكرهًا فإنه يبعث على نيته. ونحن علينا أن نقاتل العسكر جميعه إذ لا يتميز المكره من غيره.

وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: / (يغزو هذا البيت جيش من الناس، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم) . فقيل: يا رسول الله، إن فيهم المكره. فقال: (يبعثون على نياتهم) . والحديث مستفيض عن النبى صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، أخرجه أرباب الصحيح عن عائشة، وحفصة، وأم سلمة. ففى صحيح مسلم عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم) . فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: (يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته) ، وفى الصحيحين عن عائشة قالت: عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه. فقلنا: يا رسول الله، صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله. فقال: (العجب! إن ناسًا من أمتى يؤمون هذا البيت برجل من قريش وقد لجأ إلى البيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسفت بهم) . فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد يجمع الناس. قال: (نعم، فيهم المستنصر، والمجنون، وابن السبيل، فيهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله ـ عز وجل ـ على نياتهم) ، وفى لفظ للبخارى عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم) . قالت: قلت: يارسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟! قال: (يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم) ،/ وفى صحيح مسلم عن حفصة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سيعوذ بهذا البيت ـ يعنى الكعبة ـ قوم ليست لهم منعة، ولا عدد، ولا عدة، يبعث إليهم جيش يومئذ حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم) . قال يوسف بن ماهك: وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة. فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش.

فالله ـ تعالى ـ أهلك الجيش الذى أراد أن ينتهك حرماته ـ المكره فيهم وغير المكره ـ مع قدرته على التمييز بينهم، مع أنه يبعثهم على نياتهم، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره، وهم لا يعلمون ذلك؟! بل لو ادعى مدع أنه خرج مكرهًا لم ينفعه ذلك بمجرد دعواه، كما روى أن العباس بن عبد المطلب قال للنبى صلى الله عليه وسلم ـ لما أسره المسلمون يوم بدر: يا رسول الله، إنى كنت مكرهًا. فقال: (أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله) . بل لو كان فيهم قوم صالحون من خيار الناس ولم يمكن قتالهم إلا بقتل هؤلاء لقتلوا أيضًا، فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقاتلوا، فإنه يجوز أن نرميهم ونقصد الكفار. ولو لم نخف على المسلمين جاز رمى أولئك المسلمين ـ أيضًا ـ في أحد قولى العلماء. ومن قتل لأجل الجهاد الذى/ أمر الله به ورسوله ـ هو في الباطن مظلوم ـ كان شهيدًا، وبعث على نيته، ولم يكن قتله أعظم فسادًا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين.

وإذا كان الجهاد واجبًا وإن قتل من المسلمين ما شاء الله. فقتل من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا، بل قد أمر النبى صلى الله عليه وسلم المكره في قتال الفتنة بكسر سيفه. وليس له أن يقاتل، وإن قتل، كما في صحيح مسلم، عن أبى بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشى، والماشى فيها خير من الساعى، ألا فإذا نزلت ـ أو وقعت ـ فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه) . قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم يكن له إبل، ولا غنم، ولا أرض؟ قال: (يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاة. اللهم هل بلغت. اللهم هل بلغت. اللهم هل بلغت) . فقال رجل: يا رسول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت