الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بى إلى إحدى الصفين ـ أو إحدى الفئتين ـ فيضربنى رجل بسيفه، أو بسهمه، فيقتلنى. قال: (يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار) .
/ففى هذا الحديث أنه نهى عن القتال في الفتنة، بل أمر بما يتعذر معه القتال من الاعتزال، أو إفساد السلاح الذى يقاتل به، وقد دخل في ذلك المكره وغيره. ثم بين أن المكره إذا قتل ظلمًا كان القاتل قد باء بإثمه وإثم المقتول، كما قال ـ تعالى ـ في قصة ابنى آدم عن المظلوم: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ} [المائدة: 29] ، ومعلوم أن الإنسان إذا صال صائل على نفسه جاز له الدفع بالسنة والإجماع، وإنما تنازعوا: هل يجب علىه الدفع بالقتال؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: يجب الدفع عن نفسه ولو لم يحضر الصف. والثانية: يجوز له الدفع عن نفسه. وأما الابتداء بالقتال في الفتنة فلا يجوز بلا ريب.
والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل، بل عليه إفساد سلاحه، وأن يصبر حتى يقتل مظلومًا، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام، كمانعى الزكاة والمرتدين ونحوهم؟! فلا ريب أن هذا يجب علىه إذا أكره على الحضور ألا يقاتل، وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل، فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس، /فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القود على المكِره والمكرَه جميعًا عند أكثر العلماء، كأحمد، ومالك، والشافعى في أحد قوليه، وفى الآخر يجب القود على المكره فقط، كقول أبى حنيفة ومحمد. وقيل: القود على المكره المباشر، كما روى ذلك عن زفر. وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود، ولم يوجبه. وقد روى مسلم في صحيحه عن النبى صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين؛ ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين. وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر.
فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضى إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التى لا تحصل إلا بذلك، ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذى لا يندفع إلا بذلك أولى. وإذا كانت السنة والإجماع متفقين على أن الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل قتل، وإن كان المال الذى يأخذه قيراطًا من دينار. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، من قتل دون حرمه فهو شهيد) ، فكيف /بقتال هؤلاء الخارجين عن شرائع الإسلام، المحاربين لله ورسوله، الذين صولهم وبغيهم أقل ما فيهم؟. فإن قتال المعتدين الصائلين ثابت بالسنة والإجماع، وهؤلاء معتدون صائلون على المسلمين في أنفسهم، وأموالهم، وحرمهم، ودينهم. وكل من هذه يبيح قتال الصائل عليها. ومن قتل دونها فهو شهيد، فكيف بمن قاتل عليها كلها، وهم من شر البغاة المتأولين الظالمين؟
لكن من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون فقد أخطأ خطأ قبيحًا، وضل ضلالًا بعيدًا، فإن أقل ما في البغاة المتأولين أن يكون لهم تأويل سائغ خرجوا به؛ ولهذا قالوا: إن الإمام يراسلهم، فإن ذكروا شبهة بينها، وإن ذكروا مظلمة أزالها. فأى شبهة لهؤلاء المحاربين لله ورسوله، الساعين في الأرض فسادًا الخارجين عن شرائع الدين؟ ولا ريب أنهم لا يقولون: إنهم أقوم بدين الإسلام علمًا وعملًا من هذه الطائفة، بل هم مع دعواهم الإسلام يعلمون أن هذه الطائفة أعلم بالإسلام منهم، وأتبع له منهم. وكل من تحت أديم السماء من مسلم وكافر يعلم ذلك،