الصفحة 68 من 85

وهم مع ذلك ينذرون المسلمين بالقتال، فامتنع أن تكون لهم شبهة بينة يستحلون بها قتال المسلمين، كيف وهم قد سبوا غالب حريم الرعية الذين لم يقاتلوهم؟! حتى إن الناس قد رأوهم يعظمون البقعة ويأخذون ما فيها من الأموال، ويعظمون الرجل /ويتبركون به ويسلبونه ما عليه من الثياب، ويسبون حريمه، ويعاقبونه بأنواع العقوبات التى لا يعاقب بها إلا أظلم الناس وأفجرهم، والمتأول تأويلًا دينيًا لا يعاقب إلا من يراه عاصيًا للدين، وهم يعظمون من يعاقبونه في الدين ويقولون: إنه أطوع لله منهم. فأى تأويل بقى لهم؟! ثم لو قدر أنهم متأولون لم يكن تأويلهم سائغًا، بل تأويل الخوارج ومانعى الزكاة أوجه من تأويلهم.

أما الخوارج فإنهم ادعوا اتباع القرآن، وأن ما خالفه من السنة لا يجوز العمل به. وأما مانعو الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا: إن الله قال لنبيه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] ، وهذا خطاب لنبيه فقط، فليس علينا أن ندفعها لغيره. فلم يكونوا يدفعونها لأبى بكر، ولا يخرجونها له. والخوارج لهم علم وعبادة، وللعلماء معهم مناظرات، كمناظرتهم مع الرافضة والجهمية. وأما هؤلاء فلا يناظرون على قتال المسلمين، فلو كانوا متأولين لم يكن لهم تأويل يقوله ذو عقل.

وقد خاطبنى بعضهم بأن قال: ملكنا ملك، ابن ملك، ابن ملك، إلى سبعة أجداد، وملككم ابن مولى. فقلت له: آباء ذلك الملك كلهم كفار، ولا فخر بالكافر، بل المملوك المسلم خير من الملك الكافر، قال الله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: 221] . فهذه وأمثالها حججهم. ومعلوم أن من كان مسلمًا وجب /عليه أن يطيع المسلم ولو كان عبدًا، ولا يطيع الكافر، وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اسمعوا وأطيعوا وإن أُمِّرَ عليكم عبد حبشى، كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله ودين الإسلام) .

إنما يفضل الإنسان بإيمانه وتقواه، لا بآبائه، ولو كانوا من بنى هاشم أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبدًا حبشيًا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان شريفًا قرشيًا، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] . وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا فضل لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب) .

وفى الصحيحين عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه: (إن آل أبى فلان ليسوا بأوليائى، إنما وليى الله وصالح المؤمنين) ، فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن موالاته ليست بالقرابة والنسب، بل بالإيمان والتقوى. فإذا كان هذا في قرابة الرسول، فكيف بقرابة جنكسخان الكافر المشرك؟! وقد أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيمانًا وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى، وإن كان الأول أسود حبشيًا، والثانى علويًا أو عباسيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت