فرض أن هذا كان مخالفا لكان منوسخا؛ لأنه باق على حكم الأصل، وذاك ناقل عنه، وفيه سنة جديدة، فلو خولفت لوقع التغيير مرتين.
وأما الحديث الثاني: فليس فيه إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تالي ألا يفعل خيرًا) والخير قد يكون واجبا، وقد يكون مستحبا، ولم يحكم عليه؛ لعدم مطالبة الخصم، وحضور البينة، أو الإقرار، ولعل التلف كان بعد كمال الصلاح.
وقد اعترض بعضهم على حديث الجوائح بأنه محمول على بيع الثمر قبل بدو صلاحه، كما في حديث أنس. وهذا باطل لعدة أوجه:
/أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة) والبيع المطلق لا ينصرف إلا إلى البيع الصحيح.
والثاني: أنه أطلق بيع الثمرة، ولم يقل قبل بدو صلاحا. فأما تقييده ببيعها قبل بدو صلاحها، فلا وجه له.
الثالث: أنه قيد ذلك بحال الجائحة، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، لا يجب فيه ثمن بحال.
الرابع: أن المقبوض بالعقد الفاسد مضمون، فلو كان الثمر على الشجر مقبوضا، لوجب أن يكون مضمونا على المشتري في العقد الفاسد. وهذا الوجه يوجب أن يحتج بحديث أنس على وضع الجوائح في البيع الصحيح، كما توضع في البيع الفاسد؛ لأن ما ضمن في الصحيح ضمن في الفاسد، وما لا يضمن في الصحيح، لا يضمن في الفاسد.
وأما قولهم: إنه تلف بعد القبض، فممنوع، بل نقول: ذلك تلف قبل تمام القبض وكماله؛ بل وقبل التمكن من القبض؛ لأن البائع عليه تمام التربية من سقي الثمر، حتي لو ترك ذلك، لكان مفرطا، ولو فرض أن البائع فعل ما يقدر عليه من التخلية؛ فالمشتري إنما /عليه أن يقبضه على الوجه المعروف المعتاد. فقد وجد التسليم دون تمام التسلم. وذلك أحد طرفي القبض. ولم يقدر المشتري إلا على ذلك. وإنما على المشتري أن يقبض المبيع على الوجه المعروف المعتاد الذي اقتضاه العقد، سواء كان القبض مستعقبا للعقد، أو مستأخرًا. وسواء كان جملة، أو شيئًا فشيئا.
ونحن نطرد هذا الأصل في جميع العقود، فليس من شرط القبض أن يستعقب العقد؛ بل القبض يجب وقوعه على حسب ما اقتضاه العقد، لفظا، وعرفا؛ ولهذا يجوز استثناء بعض منفعة المبيع مدة معينة، وإن تأخر بها القبض على الصحيح، كما يجوز بيع العين المؤجرة، ويجوز بيع الشجر، واستثناء ثمره للبائع، وإن تأخر معه كمال القبض. ويجوز عقد الإجارة لمدة لا تلي العقد.
وسر ذلك أن القبض هو موجب العقد، فيجب في ذلك ما أوجبه العاقدان بحسب قصدهما الذي يظهر بلفظهما وعرفهما؛ ولهذا قلنا: إن شرطا تعجيل القطع جاز إذا لم يكن فيه فساد يحظره الشرع، فإن المسلمين عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا. وإن أطلقا، فالعرف تأخير الجذاذ والحصاد إلى كمال الصلاح.
وأما استدلالهم بأن القبض هو التخلية، فالقبض مرجعه إلى عرف الناس، حيث لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع. وقبض ثمر الشجر /لابد فيه من الخدمة والتخلية المستمرة إلى كمال الصلاح؛ بخلاف قبض مجرد الأصول. وتخلية كل شيء بحسبه. ودليل ذلك المنافع في العين المؤجرة.
وأما استدلالهم بجواز التصرف فيه بالبيع. فعن أحمد في هذه المسألة روايتان:
إحداهما: لا يجوز بيعه ما دام مضمونا على البائع؛ لأنه بيع ما لم يقبض، فلا يجوز. وعلى هذا يمنع الحكم في الأصل.