الصفحة 84 من 85

وكذلك إن اختار أبدًا. وهذا هو قول القائلين بالتخيير ـ الحسن بن صالح، والشافعي، وأحمد بن حنبل ـ وقالوا: إذا اختار الأم كان عندها ليلا، وأما بالنهار فيكون عند الأب، ليعلمه ويؤدبه. هذا هو مذهب الشافعي وأحمد. وكذلك قال مالك، وهو يقول: يكون عندها بلا تخيير، والأب يتعاهده عندها، وأدبه وبعثه للمكتب ولا يبيت إلا عند الأم. قال أصحاب الشافعي وأحمد: إن اختار الأب كان عنده ليلا ونهارًا، ولم يمنع من زيارة أمه، ولا تمنع الأم من تمريضه إذا اعتل.

فأما البنت إذا خيرت فكانت عند الأم تارة، وعند الأب تارة أفضي ذلك إلى كثرة بروزها، وتبرجها، وانتقالها من مكان إلى مكان، /ولا يبقي الأب موكلا بحفظها، ولا الأم موكلة بحفظها. وقد عرف بالعادة أن ما يتناوب الناس على حفظه ضاع، ومن الأمثال السائرة: لا يصلح القدر بين طباخين.

وأيضًا، فاختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر في الإحسان والصيانة فلا يبقي الأب تام الرغبة ولا الأم تامة الرغبة في حفظها، وليس الذكر كالأنثي، كما قالت امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} [آل عمران: 35] ، {إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى} [آل عمران: 36] ، {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عليها زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} إلى قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 36،44] ، فهذه مريم احتاجت إلى من يكفلها ويحضنها حتى أسرعوا إلى كفالتها، فكيف غيرها من النساء، وهذا أمر معروف بالتجربة أن المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة ما لا يحتاج إليه الصبي، وكل ما كان أستر لها وأصون كان أصلح لها.

ولهذا كان لباسها المشروع لباسًا يسترها، ولعن من يلبس لباس الرجال، وقال لأم سلمة في عصابتها: (ليلة لا ليلتين) رواه أبو داود وغيره، وقال في الحديث الصحيح: (صنفان من أهل النار من أمتى لم أرهما بعد: نساء كاسيات، عاريات، مائلات، مميلات، على رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله) .

/وأيضًا، يأمرون المرأة في الصلاة أن تجمع ولا تجافي بين أعضائها، وتتربع ولا تفترش، وفي الإحرام لا ترفع صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها، وأن لا ترقي فوق الصفا والمروة. كل ذلك لتحقيق سترها وصيانتها، ونهيت أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم، لحاجتها في حفظها إلى الرجال، مع كبرها ومعرفتها. فكيف إذا كانت صغيرة مميزة، وقد بلغت سن ثوران الشهوة فيها، وهي قابلة للانخداع؟!! وفي الحديث (النساء لحم على وضم إلا ماذب عنه)

فهذا قياس أن مثل هذه الصفة المميزة من أحوج النساء إلى حفظها وصونها، وترددها بين الأبوين مما يخل بذلك من جهة أنها هي لا يجتمع قلبها على مكان معين، ولا يجتمع قلب أحد الأبوين على حفظها. ومن جهة أن تمكينها من اختيار هذا تارة وهذا تارة يخل بكمال حفظها، وهو ذريعة إلى ظهورها وبروزها، فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد الأبوين مطلقًا، لا تمكن من التخيير، كما قال ذلك جمهور علماء المسلمين: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد وغيرهم. وليس في تخييرها نص ولا قياس صحيح، والفرق ظاهر بين تخييرها وتخيير الابن، لا سيما والذكر محبوب مرغوب، والبنت مزهود فيها، فأحد الوالدين قد يزهد فيها مع رغبتها فيه، فكيف زهدها فيه؟ فالأصلح لها لزوم أحدهما، لا التردد بينهما.

ثم هناك يحصل الاجتهاد في تعيين أحدهما، فمن عين الأم كمالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، لابد أن يراعوا مع ذلك صيانة الأم لها؛ ولهذا قالوا: ما ذكره مالك والليث وغيرهما: إذا لم تكن الأم في موضع حرز /وتحصين، أو كانت غير مرضية، فللأب أخذها منها، وهذا هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت