الصفحة 83 من 85

بالشروط في النكاح أولى منه بالوفاء بالشروط في البيع، فإذا كانت الشروط الفاسدة في البيع لا يلزم العقد بدونها، بل إما أن يبطل العقد، وإما أن يثبت الخيار لمن فات غرضه بالاشتراط إذا بطل الشرط، فكيف بالمشروط في النكاح؟

وأصل عمدتهم كون النكاح يصح بدون تقدير الصداق، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، فقاسوا الذي يشرط فيه نفي المهر /على النكاح الذي لم يزل تقدير الصداق فيه، كما فعل أصحاب أبي حنيفة والشافعي، وأكثر متأخرى أصحاب أحمد.

ثم طرد أبو حنيفة قياسه فصحح نكاح الشغار بناء على أنه لا يوجب إشغاره عن المهر. وأما الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد فتكلفوا الفرق بين الشغار وغيره؛ لأن فيه تشريكا في البضع، أو تعليق العقد أو غير ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع. وبين فيه أن كل هذه فروق غير مؤثرة. وأن الصواب مذهب أهل المدينة مالك وغيره، وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته، وعامة أكثر قدماء أصحابه: أن العلة في إفساده بشرط إشغار النكاح عن المهر، وأن النكاح ليس بلازم إذا شرط فيه نفي المهر أو مهر فاسد، فإن الله فرض فيه المهر، فلم يحل لغير الرسول النكاح بلا مهر، فمن تزوج بشرط أنه لا يجب مهر فلم يعتبر الذي أذن الله، فإن الله إنما أباح العقد لمن يبتغي بماله محصنًا غير مسافح، كما قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24] ، فمن طلب النكاح بلا مهر فلم يفعل ما أحل الله، وهذا بخلاف من اعتقد أنه لابد من مهر، لكن لم يقدره، كما قال تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عليكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236] ، فهذا نكاح المهر المعروف، وهو مهر المثل.

/وهذا هو الفرق بين النكاح وبين البيع، فإن البيع بثمن المثل وهو السعر، أو الإجارة بثمن المثل لا يصح. وقد سلم لهم هذا الأصل الذي قاسوا عليه الشافعي وكثير من أصحاب أحمد في البيع.

وأما الإجارة فأصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم يقولون: يجب أجرة المثل فيما جرت العادة فيه، ومثل ذلك كمن دخل حمام حمامي يدخلها الناس بالكرا، أو يسكن في خان أو حجرة عادتها بذلك، أو دفع طعامه أو خبزه إلى من يطبخ أو يخبز بالأجرة، أو بناية إلى من يعمل بالأجرة، أو ركب دابة مكاري يكاري بالأجرة، أو سفينة ملاح يركب بالأجرة، فإن هذه إجارة عند جمهور العلماء، ويجب فيها أجرة المثل وإن لم يشترط ذلك، فهذه إجارة المثل، وكذلك إذا ابتاع طعاما مثل ما ينقطع به السعر، أو بسعر ما يبيعون الناس، أو بما اشتراه من بلده، أو برقمه، فهذا يجوز في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. وقد نص أحمد على هذه المسائل ومثلها في غير هذا الموضوع، وأن كثيرًا من متأخرى أصحابه لا يوجد في كتبهم إلا كقول بفساد هذه العقول لقول الشافعي وغيره. وبسط هذه المسائل له مواضع أخر.

والمقصود هنا كان مسائل الحضانة وإن الذين اعتقدوا أن الأم قدمت لتقدم قرابة الأم لما كان أصلهم ضعيفا كانت الفروع اللازمة للأصل الضعيف ضعيفة، وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم، بل الصواب بلا ريب أنها /قدمت لكونها امرأة، فتكون المرأة أحق بحضانة الصغير من الرجل فتقدم الأم على الأب، والجدة على الجد، والأخت على الأخ، والخالة على الخال، والعمة على العم. وأما إذا اجتمع امرأة بعيدة ورجل قريب فهذا بسطه في موضع آخر. إذ المقصود هنا ذكر مسألة الصغير المميز، والفرق بين الصبي والصبية.

فتخيير الصبي الذي وردت به السنة أولى من تعيين أحب الأبوين له؛ ولهذا كان تعيين الأب، كما قاله أبو حنيفة وأحمد. . الأم كما قاله مالك وأحمد في رواية، والتخيير تخيير شهوة؛ ولهذا قالوا: إذا اختار الأب مدة ثم اختار الأم فله ذلك، حتى قالوا: متى اختار أحدهما ثم اختار الآخر نقل إليه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت