الصفحة 82 من 85

فلو كانت جهات الأقربة راجحة لترجح رجالها ونساؤها، فلما لم يترجح رجالها بالاتفاق فكذلك نساؤها ـ أيضًا؛ لأن مجمع أصول الشرع إنما يقدم أقارب الأب في الميراث والعقد والنفقة وولاية الموت والمال وغير ذلك، ولم يقدم الشارع قرابة الأم في حكم من الأحكام، فمن قدمهن في الحضانة فقد خالف أصول الشريعة، ولكن قدم الأم لأنها امرأة وجنس النساء في الحضانة مقدمات على الرجال. وهذا يقتضي تقديم الجدة أم الأب على الجد. كما قدم الأم على الأب، وتقديم أخواته على إخوته، وعماته على أعمامه، وخالاته على أخواله، هذا هو القياس والاعتبار الصحيح.

وأما تقديم جنس نساء الأم على نساء الأب فمخالف للأصول والعقول؛ ولهذا كان من قال هذا موضع يتناقض ولا يطرد أصله؛ ولهذا تجد لمن لم يضبط أصل الشرع ومقصوده في ذلك أقوالا متناقضة، حتى توجد في الحضانة من الأقوال المتناقضة أكثر مما يوجد في غيرها من هذا الجنس. فمنهم من يقدم أم الأم على أم الأب، كأحد القولين من مذهب أحمد، وهو عند مالك والشافعي وأبي حنيفة. ثم من هؤلاء من يقدم الأخت /من الأب على الأخت من الأم، ويقدم الخالة على العمة، كقول الشافعي في الجديد، وطائفة من أصحاب أحمد. وبنوا قولهم على أن الخالات مقدمة على العمات؛ لكونهن من جهة الأم. ثم قالوا في العمات والخالات والأخوات: من كانت لأبوين أولي، ثم من كانت لأب، ثم من كانت لأم.

وهذا الذي قالوه هنا موافق لأصول الشرع، لكن إذا ضم هذا إلى قولهم بتقديم قرابة الأم ظهر التناقض. وهم ـ أيضًا ـ قالوا بتقديم أمهات الأب والجد على الخالات والأخوات للأم، وهذا موافق لأصول الشرع، لكنه يناقض هذا الأصل؛ ولهذا لا يوافق القول الآخر أن الخالة والأخت للأم أولى من أم الأب، كقول الشافعي في القديم، وهذا أطرد لأصلهم، لكنه في غاية المناقضة لأصول الشرع.

وطائفة أخرى طردت أصلها فقدمت من الأخوات من كانت لأم على من كانت لأب؛ لقول أبي حنيفة والمزني وابن سريج. وبالغ بعض هؤلاء في طرد قياسه حتى قدم الخالة على الأخت من الأب، لقول زفر، ورواية عن أبي حنيفة، ووافقها ابن سريج ولكن أبو يوسف استشنع ذلك فقدم الأخت من الأب رواه عن أبي حنيفة، وروي عن زفر أنه أمعن في طرد قياسه حتى قال: إن الخالة أولى من الجدة أم الأب.

ويروون عن أبي حنيفة أنه قال: لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنكم إذا أخذتم بمقاييس زفر حرمتم الحلال وحللتم الحرام، وكان يقول: من القياس /قياس أقبح من البول في المسجد. وزفر كان معروفا بالإمعان في طرد قياسه إلى الأصل الثابت في الذي قاس عليه، ومن علة الحكم في الأصل وهو جواب سؤال المطالبة، فمن أحكم هذا الأصل استقام قياسه.

كما أن زفرًا اعتقد أن النكاح إلى أجل يبطل فيه التوقيت، ويصح النكاح لازمًا. وخرج بعضهم ذلك قولا في مذهب أحمد، فكان مضمون هذا القول: أن نكاح المتعة يصح لازما غير موقت، وهو خلاف المنصوص وخلاف إجماع السلف. والأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم أحداث قول يناقض القولين ويتضمن إجماع السلف على الخطأ والعدول عن الصواب، وليس في السلف من يقول في المتعة إلا أنها باطلة، أو تصح مؤجلة. فالقول بلزومها مطلقًا خلاف الإجماع.

وسبب هذا القول اعتقادهم أن كل شرط فاسد في النكاح فإنه يبطل وينعقد النكاح لازمًا، مع إبطال شرط التحليل. وأمثال ذلك. وقد ثبت في الصحيحين عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) ، فدل النص على أن الوفاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت