فالتراث اليهودي يشكّل المنبع الرئيس لمكوّنات الوجدان الصهيوني المعاصر، الذي تأثر به تأثرًا عميقًا، ووظّفه مفكّرو الصهيونية وروّادها وقادتها ليصبّ في أهدافهم العنصرية الكبرى. ولذا فإنّ العلاقة بين اليهودية والصهيونية علاقة عضوية. حيث أنّ الاهتمام الصهيوني- (الإسرائيلي) باليهودية لا يعني البحث الحقيقي عن مُثل أو قيم روحية- أخلاقية قد توجد في هذا التراث، وإنما يعني الاهتمام بمدى تعبير اليهودية عن"الذات القومية"، التي يريدون لها"الانبعاث"في"أرض الميعاد".
فالمعتقدات اليهودية تنطوي على انغلاق شوفيني وتعصّب عرقي وعنصرية حاقدة وأهداف سياسية خطيرة. حيث أنّ الفلسفة العنصرية تشكّل معينًا ينهل منها الصهاينة جميعًا، أفرادًا وأحزابًا وتيّارات ومؤسّسات، فكرًا وممارسة.
وهذه العنصرية هي التي تقبع خلف المواقف والاتجاهات والأحزاب والسياسات المختلفة. وما الأفراد الصهاينة والجماعات الصهيونية غير تجليّات متنوعة لجوهر واحد، هو العنصرية.
والخطورة تكمن في أنّ اليهود يؤمنون بدرجات ونسب متفاوتة، أنّهم عندما يبنون"دولة إسرائيل"، فإنما يحقّقون بذلك استرجاع الدولة اليهودية القديمة، التي تستوجب"إعادة"بناء هيكل سليمان. كما يعتقدون بأنّ"الربّ اختار بنفسه"صهيون"لتكون مسكنًا له. فهي ليست عاصمة داود السياسية فحسب، وإنما هي العاصمة الدينية التي لا يمكن للإله أن يستقر، أو يسكن، أو يُعبَد، إلاّ فيها"الربّ اختار صهيون، اشتهاها مسكنًا له" (مزمو ز 132) ."
والذات اليهودية مجبولة من مجموعة اعتقادات خلاصتها أنّ اليهود"يمثّلون دونما أدنى ريب، أنقى عرق وأعرق أمّة بين جميع الأمم المتمدّنة" (23) .