وقد أسفرت الصهيونية كما أسفرت الحركات الرجعية السوداء في أوروبا، عن حقيقتها- من خلال بروز تيار فاشي صريح- لا يتخفى وراء أقنعة أو شعارات اشتراكية زائفة، وهو ما يُدعى بالتيار"التنقيحي"بزعامة"فلاديمير جابوتنسكي" (1880 - 1940) . وهو زعيم صهيوني متطرّف وقائد حركة"الصهيونيّين التنقيحيّين". ولد في روسيا من عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى. شارك في المؤتمرات الصهيونية في مطلع القرن العشرين وانتقل إلى استانبول، حيث تولى مسؤولية الصحافة الصهيونية (1909 - 1911) ، وعمل على المشاركة في تأسيس الصندوق القومي اليهودي والفيلق اليهودي. شارك مع وحدات"الهاغاناه"في ضرب المظاهرات العربية في القدس عام 1920. في عام 1921 أصبح عضوًا في اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، وعمل على محاربة البلاشفة بصفته الرسمية آنذاك. استقال في عام 1923 وأسّس حركة"بيتار" (أو بيطار) وفي عام 1925 أسّس اتحادًا عالميًا للتنقيحيّين، نظرًا لخلافه مع القيادة الصهيونية، واتهامه لها بالتخاذل وعدم الحسم. كما أسس في الثلاثينيات منظمة صهيونية للعمّال تنافس الهستدروت، ومن مواقع مؤيدة للرأسمالية لإقامة مجتمع صهيوني رأسمالي. اشتهر جابوتنسكي بميوله الإرهابية وتمجيد العنف والقوّة، وقلّد الفاشية في الثلاثينيات وشجّع تهريب اليهود إلى فلسطين، ودعا صراحةً وعلانيةً إلى سياسة الإرهاب والقوّة والطرد والسحق للعرب، بغية إجبارهم على الاعتراف بالوجود الصهيوني، وبذلك يُعَدّ"رائدًا"للفكر العنصري -الشوفيني، الذي تبنّته المؤسّسة العسكرية (الإسرائيلية) فيما بعد (41) . وكان هذا التيّار، كما كشفت الأحداث اللاّحقة هو المعبّر الأصدق والأكثر أمانة وصراحة عن الفلسفة الصهيونية وأهدافها العدوانية -الاستيطانية. لقد كان الخلاف بين التيارين المتطرّف و"المعتدل" (بزعامة وايزمان والعناصر الاشتراكية -الصهيونية) خلافًا في التكتيك وفي أساليب العمل، ووسائل