وقد أدى توافد طلاب العلم من جميع أنحاء العالم إلى مراكز الحضارة الإسلامية والعواصم الإسلامية إلى إنشاء الخانات الوقفية التي تؤويهم، إلى جانب تهيئة الطرق، وإقامة السقايات والأسبلة في هذه الطرق للمسافرين، وكذا دوابهم.
وصاحب ذلك ظهور البيمارستانات في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، إضافة إلى إنشاء الأربطة ودور للطلاب الغرباء لإيوائهم وتهيئة الجو المناسب لهم، واستتبع ذلك ظهور الوقف للصرف على هؤلاء الطلاب باعتبارهم من طلاب العلم المستحقين للمساعدة في دار الغربة. ولا تخلو كل هذه المراحل والأنواع من جوانب اجتماعية للوقف لها دلالتها وأهميتها وأثرها في المجتمع بشكل عام.
إلا أن الدور الفاعل للوقف في مجال الرعاية الاجتماعية يتمثل في المدارس والمحاضر والدور التي أنشئت خصيصًا للأيتام ويوفر لهم فيها المأكل والأدوات المدرسية، كما يتمثل دور الوقف في مجال الرعاية الاجتماعية في الأربطة، والخانقاوات، والزوايا، والتكايا، بالإضافة إلى الأسبلة التي يقصد بها توفير ماء الشرب للمسافرين وعابري السبيل وجموع الناس سواء داخل المدن أو خارجها.
ويمكن أن نعد كل ذلك مؤسسات اجتماعية أدت دورها الاجتماعي باقتدار، رغم صعوبة استمرار مثل هذه المؤسسات الاجتماعية وبقائها فترات طويلة وعلى مدى أجيال متوالية، ويعود ذلك إلى حاجتها الكبيرة جدًا إلى موارد مالية دائمة لا تتوقف ولا تنضب، وقد تحقق لها ذلك بفضل من اللَّه ثم بفضل نظام الوقف الذي ازدهر في تصاعد مع ازدهار الحضارة الإسلامية، ذلك أن الملاحظ في كثير من حلقات التاريخ وفي العديد من بلاد العالم توقف مؤسسات خيرية ضخمة عن أداء رسالتها بعد فترة من الزمن، بسبب نضوب مواردها المالية وإفلاسها مما يضطرها إلى طلب مساعدة الخيرين بين حين وآخر، أما في الحضارة العربية الإسلامية فإنه قل أن تجد مثيلًا لهذه الظاهرة (26) . وسنذكر نماذج من تلك المؤسسات الاجتماعية كصور مختارة فقط.