وهذا التحول التدريجي في دور الرُبط أدى بها إلى تحقيق رسالة اجتماعية، ذلك أنها غدت مأوى للغرباء والعجزة وضعفاء المجتمع، وجميع هذه المنشآت وجدت في نظام الوقف أكبر رافد مكنها من مواصلة رسالتها.
ولازالت بعض هذه الأربطة تؤدي هذه الرسالة على امتداد المدن والقرى في العالم الإسلامي ويمكن رؤية العديد منها في كل من مدينة مكة المكرمة، والمدينة المنورة، حيث أصبحت مأوى للعديد من العجزة، والمرضى، والمعاقين، والغرباء، وكبار السن وأحيانًا العاطلين. وهذا ما أظهرته الدراسة التي قامت بها وزارة العمل والشئون الاجتماعية عام 1419 هـ عن الأربطة في منطقة مكة المكرمة (مكة المكرمة، وجده، والطائف) ومنطقة المدينة المنورة. وشملت الدراسة قرابة (70) رباطا في المنطقتين (49) .
لاشك أن الأوقاف باعتبارها صدقة جارية قد قامت بدور كبير في مجال الرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي لعدد كبير من أفراد المجتمع المسلم، وبخاصة أن مساهمة السلطة الحاكمة في مجال الرعاية الاجتماعية تعد محدودة مكتفية بأريحية الموسرين وأرباب الأموال تجاه الفقراء، فمن اللافت للنظر أن وثائق الأوقاف في غالبها تنص على مساعدة الفقراء والمحتاجين، بل إن هذا يُعد ركنًا أساسيًا في الوقف، إلا أن المساعدات تكون بأشكال وأنواع مختلفة، فمن ذلك توزيع المساعدات النقدية، وأحيانًا أخرى العينية كالأكل، والملابس، والأدوات المعيشية وبخاصة في أوقات الغلاء والأزمات المالية التي كانت تمر بها الأمة.
ومما يذكر في هذا المجال أن السلطان الظاهر بيبرس أوقف وقفًا لشراء الخبز وتوزيعه على المعدمين ... وتجاوز الأمر إلى رعاية أولئك الفقراء حتى بعد وفاتهم ويكون ذلك بتحمل تكاليف تغسيلهم وتكفينهم ودفنهم، ومن أشهر هذه الأوقاف (وقف الطرحاء) الذي جعله الظاهر بيبرس برسم تغسيل فقراء المسلمين وتكفينهم ودفنهم (50) .