الصفحة 17 من 45

أما الرُبط وهي الأماكن التي تمّ إعدادها على الثغور للمجاهدين وصد هجمات الأعداء فقد تحولت مع الوقت هي والخانقات والتكايا والزوايا إلى أماكن للمتفرغين للعبادة من الجنسين ــ وإن كانت للذكور أظهر وأكثر ــ، فكان ينقطع فيها من يرغب التفرغ للعبادة، ويجري عليها الواقفون الجرايات اليومية من غذاء وكساء، وهذا النوع من الأوقاف ينتشر بشكل كبير جدًا في مدن وقرى العالم الإسلامي، ومع مرور الوقت غدت دورًا للضيافة، تستضيف المغتربين القادمين من أنحاء العالم الإسلامي، بحيث لاتزيد إقامة الضيف الوافد عن ثلاثة أيام، يلقى خلالها فيها كل ترحاب من أهل الرباط ويقدم له الطعام وغيره من مستلزمات الضيافة (46) . ومن يطلع على رحلة ابن بطوطة فسيجد العجب، فما مرّ على قرية أو مدينة في البلدان الإسلامية التي زارها في رحلته إلا ويذكر مثل هذه الأربطة والزوايا، بل كان من المستفيدين منها و سكن في بعضها.

ومن المعلوم أن المنتمين إلى الصوفية هم أكثر المستفيدين من هذا النوع من الأوقاف في العصور الماضية. وقد كان لها دور كبير في اتساع نطاق الصوفية وانتشارها في كثير من بلدان العالم الإسلامي.

ومع تطور الوقت تحولت بعض هذه الأربطة إلى ملاجئ مستديمة لفريق من الناس الذين يستحقون الرعاية، وخاصة أصحاب العاهات وكبار السن والعميان والمطلقات (47) . وكان لهم رسوم في توزيع المال والطعام. ويذكر المقريزي عن رباط (بيبرس الجاشنكير) أنه مخصص لمائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت. كما أن السيدة (تذكار خاتون) شيدت رباط البغدادية سنة (684 هـ) وأنزلت فيه مجموعة من النساء الخيرات ولهن شيخة تعظ النساء وتذكرهن وتفقههن، وتطور الأمر بالرباط حتى أصبح يودع فيه النساء اللاتي طلقن أو هجرهن أزواجهن حتى يتزوجن، وظل هذا الرباط قائمًا حتى القرن التاسع الهجري (48) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت