نجد الحرص الكبير من المسلمين على رعاية الأيتام وتربيتهم من خلال الأوقاف بحثًا عن الأجر والمثوبة وطلبًا لمرافقة نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام في الجنة، ففي الحديث الصحيح أن رسول اللَّه (قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئًا (( 27) .
ويلاحظ هنا عدم وجود مؤسسات إيوائية كاملة بمعنى الكلمة للأيتام، كما هو قائم الآن في عصرنا الحاضر بحيث ينشأ اليتيم فيها منذ صغره في تلك المؤسسات، وهذا يعود إلى أمرين أساسيين، الأول: حرص الأسر المسلمة على رعاية يتيمها، فالتكافل كان على أشده في تلك العصور، فلا توجد مشكلة تخلي الأسر عن رعاية أيتامها. والأمر الآخر: قلة عدد اللقطاء في المجتمع مقارنة بالعصر الحالي، ويعود ذلك إلى الضبط الأخلاقي العام في المجتمع المسلم الأول، فكل يتيم سيعيش في وسط أسرته رغم وفاة والده أو لدى أسرة قريبة له ترعاه. ومن هنا فلم يكن هناك ثمة حاجة إلى مثل هذه المؤسسات الإيوائية.
و قد يكون هناك أسباب أخر في عدم وجود مثل هذه المؤسسات الإيوائية ولكنها ليست رئيسية مثل: صعوبة الإنفاق على المؤسسات الإيوائية لكثرة ما تحتاجه، فإنه يلزمها مصاريف مادية أكثر مما يحتاجه غيرها مثل المدارس والمساجد أو الأسبلة، حيث يلزم توفير جميع الاحتياجات المعيشية والتعليمية، والتاريخ يثبت أن أول المؤسسات الاجتماعية تضررًا من تناقص أغلال الأوقاف هي مكاتب الأيتام (28) .
ومن أشهر الأوقاف لرعاية الأيتام إنشاء مكاتب لتعليمهم ورعايتهم، ومن ذلك ما نقل في مآثر صلاح الدين الأيوبي أنه أمر بعمارة مكاتب ألزمها معلمين لكتاب اللَّه عز وجل يعلمون أبناء الفقراء والأيتام خاصة ويجري عليهم الجراية الكافية لهم (29) . ويقصد بالجراية الكاملة مأكلهم وكسوتهم وأدوات دراستهم كما سيأتي تفصيله بإذن الله.