الصفحة 100 من 431

الوجه الثاني: أن آيات تحريم الربا ورد الدائن التائب عن الربا إلى رأس ماله عامة، لم تفرق بين مدين معسر ومدين موسر باذل ومدين مماطل، فالزيادة على رأس المال ربا، سواء كان المدين موسرًا أو معسرًا، والفرق بين المعسر والموسر إنما هو في وجوب الإنظار إلى الميسرة وترك المطالبة (39) .

الوجه الثالث: أن تخصيص المماطل بالتعويض دون المعسر مخالف لمدلول الآيات التي حرمت الظلم على الطرفين، فظلم الدائن هو أخذه زيادة على رأس ماله، وظلم المدين هو مماطلته بوفاء رأس مال الدَّين لصاحبه، ولم يخص المعسر إلا بوجوب إنظاره إلى الميسرة.

الوجه الرابع: أن التعويض المالي عن ضرر المماطل ظلم بنص الآية؛ لأنه زيادة على رأس المال، ولو كان المماطل ظالمًا بمطله، فإنه لا يجوز رد الظلم بظلم آخر (40) .

الوجه الخامس: أن الله _عز وجل_ أبطل الربا ورد الدائن لرأس ماله فحسب، ولو كان يستحق تعويضًا عن ما فاته من منافع ماله المحتمل، لبين ذلك وأوضحه وفرق بين الصورتين.

المناقشة:

نوقش الاستدلال بالآيتين بعدم التسليم بأن التعويض عن ضرر المماطل من جنس الربا، وذلك من أربعة أوجه، وهي كالتالي:

الوجه الأول: أن الزيادة الربوية في مسألة (أتقضي أم تربي) في غير مقابلة عوض، فهي نتيجة تراض بين الدائن والمدين على تأجيل السداد مقابل زيادة في الأجل، أما التعويض فهو مقابل تفويت منفعة على الدائن بلا رضًا منه (41) .

الإجابة:

أجيب عن ذلك بما يلي:

أولًا: عدم التسليم بأن الزيادة الربوية في غير مقابلة عوض، بل هي في مقابلة عدم الاستفادة من المال خلال مدة التأجيل، وحبس المال، وعدم انتفاع صاحبه به.

ثانيًا: أن المرابين المعاصرين حللوا أخذ الربا بمثل هذا التعليل، وابتكروا نظرية الفرصة الضائعة لتبرير أخذ الربا المحرم، و هي نفسها حجة من يرى التعويض، ولو كان التعويض عن الربح الفائت على صاحب الدَّين جائزًا، لأباح الشارع الفائدة على الديون المأخوذة للاستثمار في التجارة والصناعة؛ لأن هذه الفائدة تعويض للدائن عن منافع ماله مدة بقائها عند المدين، وكذا المقرض بلا فائدة تلحق به مضار وتفوته منافع من جراء قرضه المجاني، ولم يُبَحْ له زيادةٌ أو نفعٌ يزيد على رأس المال إن وقع مشروطًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت