الصفحة 141 من 431

الدليل الأول:

الضرر الأدبي المعنوي ليس فيه خسارة مالية، فلا يمكن تقديره بالمال بحال، والتعويض المالي لا يكون إلا عن ضرر مالي واقع فعلًا يمكن تقديره بالمثل أو بالقيمة، لذا شرع في مقابل مال فائت أو بدلًا عن قصاص تعذر استيفاؤه؛ لفقد شرط القصد في الجناية، أولعفو المجني عليه، أو وليه، ونحو ذلك، إذ هي أشياء محسوسة يمكن تقديرها، وفي الغالب يترتب عليها خسارة مالية، أما الضرر الأدبي فيمكن إزالته بالتعزير والعقوبة الرادعة، فيقتصر عليها.

قال الشيخ على الخفيف:"ليس فيهما - أي الضرر الأدبي والمعنوي- تعويض مالي على ما تقضي به قواعد الفقه الإسلامي، وذلك محل اتفاق بين المذاهب، وأساس ذلك فيهما أن التعويض بالمال يقوم على الجبر بالتعويض، وذلك بإحلال مال محل مال فاقد مكافئ لرد الحال إلى ما كانت عليه، إزالة للضرر، وجبرًا للنقص، وذلك لا يتحقق إلا بإحلال مال محل مال مكافئ له ليقوم مقامه ويسد مسده، وكأنه لم يضع على صاحب المال الفاقد شيء، وليس ذلك بمتحقق فيهما" (66) .

وقال الشيخ مصطفى الزرقا:"مبدأ التعويض المالي عن الأضرار الأدبية له محذور واضح، وهو أن مقدار التعويض اعتباطي محض لا ينضبط بضابط، بينما يظهر في أحكام الشريعة الحرص على التكافؤ الموضوعي بين الضرر والتعويض، وهذا متعذر هنا، وكثيرًا ما نسمع فنندهش في أخبار الدعاوى والأقضية الأمنية أرقامًا بالملايين لقاء مزاعم أضرار أدبية في منتهى التفاهة" (67) .

الدليل الثاني:

أن أبرز صور الضرر الأدبي المعنوي القذف، وشرع فيه الحد ثمانون جلدة، وهي عقوبة بدنية زاجرة، ولذا لا يجوز الصلح عنه بمال؛ إذ لا يحتمل المعاوضة؛ لأن التعويض يخرجه عن موضوعه، مع أن القذف حق خالص للمقذوف، ومثل القذف غيره من الأضرار المعنوية فلا تعوض بالمال.

قال الحطاب:"ومن صالح من قذف على شقص أو مال لم يجز، ورد، ولا شفعة فيه، بلغ الإمام أو لا ... -لأنه من- باب الأخذ على العرض مالًا" (68) .

وقال ابن قدامة:"لو صالح سارقًا ليطلقه، أو شاهدًا ليكتم شهادته، أو شفيعًا عن شفعته، أو مقذوفًا عن حده، لم يصح الصلح" (69) ، قال في الإنصاف:"بلا نزاع" (70) .

الدليل الثالث:

أن الضرر الأدبي المعنوي لا يجبره التعويض المالي، فهو يجحف في حق الفقير، ولا يردع الغني، أما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت