مالكه من ألم الغصب، ومضرة المنع من ملكه مدة حياته، فلا يزول إثم ذلك إلا بالتوبة، ولو رده أي المغصوبَ ورثةُ غاصبه بعد موته، وموت مالكه إلى ورثته، فلمغصوب منه مطالبته أي الغاصب بما غصبه منه في الآخرة، لأن المظالم لو انتقلت لما استقر لمظلوم حق في الآخرة، ولأنها ظلامة عليه قد مات ولم يتحلل منها برد ولا تبرئة، فلا تسقط عنه برد غيره لها إلى غير المظلوم" (84) ."
و يؤيده أن مطل الغني ظلم، والمماطل ظالم، والواجب على الظالم أن يسعى في التخلص من الظلم في الدنيا قبل أن يحاسب عليه في الآخرة، ويشهد له ما جاء عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ أن النبي_صلى الله عليه وسلم_ قال:"من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" (85) .
وإذا بادر المماطل بتقديم زيادة مالية على أصل الدَّين عند السداد، وهي غير مشروطة عليه في العقد أو بعده، ولم تفرض عليه بحكم أو إلزام، و لم يجر بها عرف أو تواطؤٌ عليها، بل بذلها من تلقاء نفسه وباختياره، فإنه لا مانع شرعًا من قبول هذه الزيادة، إذ تعد هذه الزيادة من حسن القضاء وتطييب القلب، وهي من الدائن لطلب رفع الظلم الواقع منه بالمطل، ولزوال الإثم بسبب حبسه لمال المضرور بغير حق، وفي قوله_صلى الله عليه وسلم_:"فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم"إشارة إلى أن المؤمن إذا وقع في ظلم أخيه، فعليه أن يبادر في التحلل منه ولو بالدينار والدرهم، وقد كان النبي_صلى الله عليه وسلم_ أحسن الناس قضاء، وأثنى على من كان بهذه الصفة، كما جاء في حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_"أن رجلًا أتى النبي_صلى الله عليه وسلم_ ليتقاضاه، فأغلظ، فهَمَّ به أصحابه، فقال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_: دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا، ثم قال: أعطوه سنًا مثل سنِّه، قالوا: يا رسول الله إلا أَمْثَلَ من سِنِّه، فقال: أعطوه، فإن من خيركم أحسنكم قضاءً" (86) .
وجاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما نصه:"لا مانع من قبول ما يقدمه المدين المماطل عند السداد من زيادة على الدَّين على أن لا يكون هناك شرط مكتوب، أو ملفوظ، أو ملحوظ، أو عرف، أو تواطؤ على هذه الزيادة" (87) .