الصفحة 191 من 431

فتح الحساب.

(3) أن المصرف يتعامل بحذر شديد عند استعمال أموال الحسابات الجارية والتصرف فيها، ثم يبادر بردها فورًا عند طلبها مما يدل على أنها وديعة (27) .

نوقش بأن هذا التصرف من المصرف لا يغير من حقيقة العقد، والواقع أن المصرف يتصرف في مال الحساب الجاري بخلاف ما ذُكر حيث يقوم بخلطها بماله ومال العملاء الآخرين بمجرد استلامها، ثم يتصرف فيها كما لو كانت ملكه.

وأما كونه يبادر بردها عند طلبها فهذا لا ينفي كونها قرضًا؛ لأن المقرض له طلب بدل القرض في الحال مطلقا (28) ؛ لأن القرض يثبت في الذمة حالًا فكان له طلبه كسائر الديون الحالة، ولأنه سبب يوجب رد المثل أو القيمة فكان حالًا (29) .

وكذلك فإن المبادرة بردها عند طلبها فيه حفاظ على سمعة المصرف، وتحفيز للتعامل معه، وفي هذا التعامل فوائد ترجع إلى المصرف، كما هو معلوم.

(4) أن المودع عندما يدفع المال في الحساب الجاري للمصرف لا يقصد أبدًا أن يقرض المصرف، ولا أن يشاركه في الأرباح العائدة للمصرف من استغلال لمال المودع ومال غيره، وإنما مقصوده - أي المودع - حفظ ماله ثم طلبه عند الحاجة إليه وهذا مقتضى عقد الوديعة؛ فلا يسمى فعله إقراضًا (30) .

نوقش بأن كون المودع لا يقصد إقراض المصرف لا يؤثر في حقيقة العقد؛ لأن عامة المتعاملين مع المصارف لا يدركون الفرق بين معنى القرض ومعنى الوديعة، ولا يستحضرون الفروق بينهما، فهم لا تهمهم المصطلحات بقدر ما تهمهم النتائج والغايات، والحاصل أن المتعاملين مع المصارف بوضع أموالهم في الحسابات الجارية يريدون حفظ أموالهم مع ضمانها من المصرف، وهذا في حقيقته قرض لا وديعة، ومن المعلوم كذلك أن المصرف لا يقبل حفظ هذه الأموال إلا لأجل التصرف فيها، وهذا هو معنى القرض، والقاعدة أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني (31) .

الترجيح:

الذي يترجح - والعلم عند الله تعالى - أن الأموال التي يضعها أصحابها في حساب جارٍ لدى المصرف الأقرب أنها قرض وليست وديعة، وذلك للأسباب الآتية:

1 -أن تعريف القرض وأحكامه متمشية مع هذه المسألة؛ فقد عرف القرض بأنه"عبارة عن دفع مال إلى الغير؛ لينتفع به ويرد بدله" (32) ، ومال الحساب الجاري يدفعه صاحبه إلى المصرف، لينتفع به ويرد بدله.

2 -أن صاحب الحساب الجاري يعلم أن المصرف الذي يتلقى ماله لن يحتفظ له بهذا المال ساكنًا مستقرًا في صناديقه ليعيده بعينه عند الطلب، بل إنه سوف يختلط بغيره من الأموال وبأموال المصرف، كما أن المصرف سوف يستعمل هذه الأموال في أعماله واستثماراته، وهذا يعني أن المصرف لن يعيد عين المال، بل يعيد مثله عند الطلب، وهذه الأموال في حقيقتها قروض لا ودائع (33) .

3 -أن صاحب المال إذا وضعه في حساب جارٍ لا يقصد مجرد الحفظ فقط، بل يريد الحفظ والضمان معًا، بدليل أنه لا يقوم على الإيداع ما لم يكن المال مضمونًا، وكذلك المصرف لا يقبل هذه الأموال لحفظها فقط،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت