الصفحة 192 من 431

بل للانتفاع بها مع ضمانها، وهذه حقيقة القرض.

4 -في القرض يضمن المقترض، وفي الوديعة يضمن المودع - ما لم يكن المودع مفرطًا - وكل منهما ضامن لأنه مالك، وعلى هذا فالوديعة في العرف المصرفي القائم قرض في الشرع الإسلامي (34) .

5 -أن القاعدة الفقهية المشهورة نصت على أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وتسمية هذا العقد بين صاحب المال والمصرف وديعة لا يغير من حقيقة العقد وأنه قرض، وإنما سمي وديعة أو إيداعًا لأسباب منها (35) :

أ- أن هذه الكلمة استعملت بمعناها اللغوي؛ فإنها فعيلة من"ودع يدع: بمعنى أنها متروكة عند المودع، وهو المصرف هنا بغض النظر عن كونها أمانة أو مضمونة."

ب- لأن تأريخها بدأت بشكل ودائع وتطورت خلال تجارب المصارف واتساع أعمالها إلى قروض؛ فظلت محتفظة من الناحية اللفظية باسم الودائع، وإن فقدت المضمون الفقهي لهذا المصطلح، وعليه فاستخدام لفظ"ودائع"بدلًا من"قروض"إنما كان صحيحًا في مرحلة تأريخية من مراحل التطور المصرفي، حيث كان الناس يودعون نقودهم عند الصائغ أو الصيرفي مقابل أجر يتقاضاه، لكن عندما بدأ هؤلاء الصيارفة باستغلال هذه الأموال وبإقراضها إلى غيرهم أو استغلالها، لم تعد هذه العمليات ودائع، وكان ينبغي منذ ذلك الوقت هجر هذه التسمية وتركها لعمليات أخرى؛ (كإيداع الأشياء الثمينة) والانتقال إلى التسمية الحقيقية قروض.

وإذا أغفلت البنوك الروية هذا فحري بالمصارف الإسلامية أن تتنبه لهذا، وألا تقلد البنوك الربوية في هذه التسمية وغيرها، سواء كان ذلك في المقاصد والمعاني، أم في الألفاظ والمباني.

المبحث الرابع: الإشكالات الواردة على تخريجها قرضًا:

على القول الراجح بأن الأقرب في أموال الحساب الجاري تخريجها أنها قرض لا وديعة، قد يرد من الإشكالات ما يلي:

الإشكال الأول: إن الأصل في مشروعية القرض هو الإرفاق، وأدلة مشروعيته تؤكد هذا، ولذا عرفه بعض الفقهاء بأنه: دفع مال إرفاقًا لمن ينتفع به ويرد بدله (36) .

ومن المعلوم أن الذين يدفعون أموالهم إلى المصارف - على شكل حسابات جارية - لا يقصدون الرفق بالمصارف والإحسان إليها، والمصارف ليست فقيرة أو محتاجة حتى تقرض، وإنما يريدون نفع أنفسهم بحفظ أموالهم ثم طلبها عند الحاجة.

الجواب: يمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأن القرض - وإن كان الأصل في مشروعيته هو الإرفاق - قد يخرج عن هذا الأصل؛ فليس في جميع حالاته من باب الإرفاق، وليس الإرفاق شرطًا في صحته؛ بمعنى أن الإرفاق صفة غالبة على القرض لا مقيدة له، ويدل على هذا ما يلي:

1 -ما ثبت في الصحيح من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد ا لله بن الزبير _رضي الله تعالى عنه_ قال:"... وإنما كان دينه - أي الزبير رضي الله تعالى عنه - الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه؛ فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة .."

قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت