الأصل الأول:
عموم قول النبي _صلى الله عليه وسلم_:"أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:"يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم". وقال:"يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم"، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك"أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_.
والمال المأخوذ بطريق محرم لا يصدق عليه أنه طيب، فلا ينبغي قبوله، ويؤيد ذلك قول النبي _صلى الله عليه وسلم_:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول"أخرجه مسلم من حديث ابن عمر _رضي الله عنه_، والغلول، هو: ما يؤخذ من الغنائم قبل قسمتها بين الجيش ودون إذن الإمام، فهو نوع من السرقة، فيكون مدلول الحديث أن الله _تعالى_ لا يقبل الصدقة إذا كان مصدرها محرمًا، وإذا كان الله _تعالى_ لا يقبل هذه الصدقة فلا ينبغي للمسلم أن يقبلها.
ويشهد لهذا الأصل أيضًا قصة المغيرة بن شعبة _رضي الله عنه_ وكان قبل إسلامه قد صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ مسلمًا، فقال له _عليه الصلاة والسلام_:"أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء"أخرجه البخاري في صحيحه، فدل على أن المال المأخوذ ظلمًا لا يجوز قبوله.
الأصل الثاني:
عموم قوله _تعالى_:"وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (الأنعام: من الآية164) ، وقوله _جل شأنه_:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (المائدة:105) .
وهذا الأصل يقتضي أن من اكتسب مالًا حرامًا فوزره عليه، ولا يتعداه إلى الآخرين إذا كان تعاملهم معه مشروعًا في نفسه.
ويشهد لذلك أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ تعامل مع اليهود بالبيع والشراء والشركة، مع علمه بكثرة تعاملهم بالربا، كما قال _تعالى_ عنهم:"وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِل، ِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيما" (النساء:161) .
كما أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قََبِل هدية اليهودية التي أهدت له شاة مسمومة.
ومن هذا الباب أيضًا أن الفاروق _رضي الله عنه_ وافق أن تؤخذ الجزية من أهل الذمة من ثمن الخمر التي يتبايعونها، بدلًا من أخذ الخمر، وقال:"ولّوهم بيعها وخذوا منهم أثمانها"أخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/198) ،
وأبو عبيد في الأموال (ص129) ، قال شيخ الإسلام:"وهذا ثابت عن عمر _رضي الله عنه_"، وهو مذهب الأئمة" (الفتاوى 29/265) ."
وهذا صريح في قبول المسلمين أن تكون الجزية من ثمن الخمر، مع أن الخمر محرمة، وثمنها محرم أيضًا.