الصفحة 210 من 431

وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال:"إن لي جارًا يأكل الربا وإنه لا يزال يدعوني"، فقال:"مهنؤه لك وإثمه عليه".

وقال سلمان الفارسي _رضي الله عنه_:"إذا كان لك صديق عامل، أو جار عامل، أو ذو قرابة عامل، فأهدى لك هدية أو دعاك إلى طعام، فاقبله، فإن مهنأه لك وإثمه عليه". رواهما عبد الرزاق في المصنف (8/150) ، ورجال الإسنادين ثقات، وسلمان وابن مسعود من علماء الصحابة وفقهائهم المعروفين _رضي الله عنهم جميعًا_.

فدل ذلك على أن الوزر يتحمله آكل الحرام ولا يتعداه إلى غيره.

وقال الحسن البصري _رحمه الله_:"قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنهم يأكلون الربا وأحل لكم طعامهم"، أخرجه عبد الرزاق في المصنف كذلك.

الجمع بين الأصلين

وللعلماء في الجمع بين هذين الأصلين مسلكان:

المسلك الأول: يفرق فيه بين أمرين:

الأمر الأول: من يكتسب المال الحرام وهو يعتقد تحريمه.

الأمر الثاني: من يكتسب المال الحرام معتقدًا أنه حلال.

فالأول لا يعذر في كسبه للحرام لعلمه بذلك، ولذلك لا يقبل منه المال الحرام، كما في قصة المغيرة بن شعبة _رضي الله عنه_.

أما الثاني فهو لا يعتقد أنه حرام أصلًا؛ إما لعدم إسلامه أو لكونه جاهلًا أو متأولًا؛ ولذلك يقبل منه، كما في قبول أثمان الخمر عن الجزية من أهل الذمة.

ولكن يترتب على هذا المسلك أن التعامل مع غير المسلم يصبح أكثر تسامحًا من التعامل مع المسلم، إذا كان كلاهما واقع في المحرم.

وهذا ما جعل بعض الفقهاء يفضل التعامل مع الصيرفي غير المسلم على الصيرفي المسلم، إذا كان كلاهما يتعامل بالربا؛ لأن غير المسلم يعتقد حل الربا أما المسلم فهو يعتقد تحريمه.

وهذه النتيجة محل نظر كبير، فالمسلم خير من غير المسلم، وإن كان مرابيًا؛ لأن مجرد التعامل بالربا لا يخرجه عن الإسلام؛ ولذلك قال شيخ الإسلام منتقدًا هذه النتيجة:"ومعلوم أن الله ورسوله لا يأمر المسلم أن يأكل من أموال الكفار ويدع أموال المسلمين، بل المسلمون أولى بكل خير، والكفار أولى بكل شر"، (الفتاوى 29/320) .

كما أن الآثار المنقولة عن سلمان وابن مسعود _رضي الله عنهما_ تتعلق بمن يعتقدون حرمة الربا، ومع ذلك فقد قالا بجواز التعامل معهم وقبول المال منهم، وأن وزر الربا على صاحبه وليس على المتعامل معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت