المسلك الثاني: يفرق فيه بين أمرين:
الأمر الأول: ما كان التحريم فيه لحق الله _تعالى_.
الأمر الثاني: ما كان التحريم فيه لحق المخلوق.
فالتحريم لحق المخلوق، مثل: تحريم السرقة والغلول والغصب ونحو ذلك، وهو الذي يؤخذ فيه المال بغير رضا صاحبه، كما قال _تعالى_:"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" (النساء: من الآية29) .
أما التحريم لحق الله _تعالى_ فهو كتحريم الربا والميسر.
فالربا محرم وإن كان يحصل بتراضي الطرفين في الظاهر، وكذلك الميسر، فهنا التحريم لحق الله _تعالى_ ولا يفيد تراضي الطرفين شيئًا؛ لأن التراضي حصل لما هو ضرر في حقيقة الأمر، كالتراضي على الزنا والخمر والمخدرات.
وبناء على هذا الفرق فإن من أخذ مالًا محرمًا لحق المخلوق، فلا يقبل منه هذا المال إذا بذله في تبرع أو معاوضة؛ لأن المال مأخوذ ظلمًا من طرف آخر، فيجب رده إلى صاحبه ولا يجوز الانتفاع به، وقصة المغيرة بن شعبة _رضي الله عنه_ من هذا الباب؛ لأن المال الذي جاء به للنبي _صلى الله عليه وسلم_ قد أُخذه من أصحابه بدون رضاهم، ولذلك لم يقبله النبي _صلى الله عليه وسلم_.
وكذلك نص النبي _صلى الله عليه وسلم_ على عدم قبول الصدقة من الغلول؛ لأن الغلول سرقة للمال من أصحابه، وهم الجيش الذين استحقوا الغنائم.
أما ما كان التحريم فيه لحق الله _تعالى_ كالربا والميسر وثمن الخمر ونحوها، فإن وزر صاحبه بينه وبين الله _تعالى_ فهذا يدخل في عموم قوله _عز وجل_:
"وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (الأنعام: من الآية164) .
فمن تعامل مع المرابي معاملة مشروعة، كبيع أو شراء أو ضيافة ونحوها، فلا يناله من وزر المرابي شيء.
وإنما كره عدد من أهل العلم ذلك لما قد يتضمنه من إقرار المنكر والإعانة عليه، فهذا قد يوجب ترك معاملة المرابي؛ لا لأن قبول ماله محرم في نفسه، ولكن من باب إنكار ما هو عليه من أكل المال المحرم.
ولهذا قال إبراهيم النخعي _رحمه الله_:"أقبل (أي: هدية المرابي) ما لم تأمره أو تعينه"، (مصنف عبد الرزاق 8/151) .
فإذا كان قبول هدية المرابي يعينه على الحرام ويشجعه عليه، فهو محرم من هذا الوجه، فإذا لم يكن في قبول الهدية إعانة، ولم يكن في تركها ما يمنعه عن ترك الحرام، كما هو الحال مع غير المسلمين، فلا مبرر في هذه الحالة لعدم قبول أموالهم إذا حصلت بوجه مشروع.
ولذلك تعامل النبي _صلى الله عليه وسلم_ مع اليهود، وقَبِل منهم عمر _رضي الله عنه_ الجزية من أثمان الخمور؛ لأنهم لن يتركوا التعامل في الخمور لمجرد أنا تركنا التعامل معهم، فإذا كانوا مستمرين على ما هم عليه، ولا يترتب على هجرهم مصلحة، أو كانت مصلحة الهجر أقل بكثير من مصلحة قبول المال والانتفاع به، فالأولى تقديم كبرى المصلحتين على أدناهما، كما هي قاعدة الشريعة المطهرة.
ومن هذا الباب يفهم قول سلمان وابن مسعود _رضي الله عنهما_، فإن فتواهما بجواز قبول دعوة