الصفحة 246 من 431

الله _تعالى_ دينًا للعباد؛ فقال _عز وجل_:

"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا" (3)

ومن جملة الحقوق التي عنيت الشريعة الإسلامية بحفظها وتكفلت بصيانتها الحقوق المالية.

وفي نصوص الوحيين المتكاثرة ما يكون أصلًا لذلك؛ وأنىّ لأحدٍ أن يحيط بها جمعًا وفهمًا، ولكني أذكر هنا بعض النصوص الشرعية العامة التي تدل على عناية الشريعة الإسلامية بحفظ الحقوق بأنواعها، والتحذير من التعدي عليها؛ فمن ذلك:

قول الله _عز وجل_:"ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون" (2) .

وقوله _تعالى_:"يآ أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ..." (3) .

وهاتان الآيتان بعمومهما دالتان على عدم جواز التعدي على الحقوق المالية؛ فيشمل النهي فيهما التعدي على المال بأنواعه؛ لأن المال لم يرد له حد في اللغة ولا في الشرع؛ فيكون مردّه إلى العرف يبين المقصود منه، ولذلك قرر العلماء أن مفهوم المال يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأعراف.

وعليه فإن النهي عن أكل أموال الآخرين بالباطل يشمل كل ما يدخل في مفهوم المال، مما يتعارف الناس على ماليته.

ومن ذلك أيضًا قوله _صلى الله عليه وسلم_:"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (4) .

وقوله _صلى الله عليه وسلم_ في أكبر اجتماع للناس، في حجة الوداع، في أعظم بقعة:"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا ..." (5) .

فهذه النصوص وغيرها من النصوص دالة على تحريم الاعتداء والظلم والإضرار بالآخرين، وقد أجمع المسلمون على أن أخذ أموال الناس وأكلها ظلمًا لا يحل، وأن الله _عز وجل_ حرم ذلك (6) ؛ مما يبين حفظ الشريعة الإسلامية لحقوق الناس، بشتى أنواعها، وصيانتها عن الاعتداء عليها بأية صورة من صور الاعتداء.

ومن هذه الأموال، بل من أهمها: السيارات التي جعل الله _تعالى_ منها بفضله ومنّه وسيلة يستعين بها الناس في قضاء كثير من حوائجهم ومتطلباتهم، حتى أصبحت في هذه الأيام من الوسائل التي تشتد حاجة الناس إليها، ولا غنى لهم عنها؛ فإذا ثبت أن تملكها من الحقوق الثابتة لأصحابها بمقتضى الشرع؛ فإنه لا يجوز التعدي عليها بأي صورة من صور التعدي، ومن ذلك السرقة، وفي النصوص السابقة ما يجعلها محفوظة لأصحابها، والله _تعالى_ أعلم.

المبحث الأول: حقيقة السرقة.

المطلب الأول: تعريف السرقة في اللغة والاصطلاح:

السرقة في اللغة: مصدر الفعل (سَرَق) ، ويدل على أخذ ما ليس له أخذه، في خفاء وستر. يقال: سرَق منه الشيء يسرق سَرَقًا -محرّكة- وسرْقًا، واستَرَقَه: جاء مستترًا إلى حرز؛ فأخذ مالًا لغيره (7) .

والسرقة في معناها الشرعي لا تخرج عن معناها في اللغة؛ فتعرف بأنها: أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، وهذه هي السرقة المحرمة بصفة عامة.

أما السرقة الموجبة لحد القطع فهي لا تختلف عن المعنى اللغوي والمعنى العام مع إضافة بعض الأوصاف؛ فعرفت بأنها:

أخذ مال محترم لغيره، وإخراجه من حرز مثله، لا شبهة له فيه، على وجه الاختفاء (8) .

المطلب الثاني: حكم السرقة.

السرقة نوع من أنواع التعدي على حقوق الآخرين، وداخلة في أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنها أخذ لمال الغير على وجه لم يؤذن به شرعًا، ولذلك حرمها الله _عز وجل_ وأوجب فيها حدّ القطع؛ دل على ذلك نصوص الوحيين وإجماع المسلمين.

فمن أدلة الكتاب قول الله _عز وجل_:

"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم" (9) .

ومن السنة ما روته أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال:"تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" (10) .

وقد أجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة (11) .

وكذلك فإن أهل العلم لا يختلفون في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية (12) .

وبناءً على هذا فإن من صور السرقة أن يقوم شخص بسرقة سيارة من مالكها؛ فإذا ثبت فعل السرقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت