وتوافرت الشروط، وانتفت الموانع كان ذلك موجبًا للحدّ، وذلك لأنها من الأشياء التي تقع عليها السرقة وتدخل في مسمى المسروق الذي يجب حد السرقة بسرقته.
وجملة ذلك أن العلماء -رحمهم الله تعالى- قد وضعوا لذلك ضابطًا، وهو أن كل متمول جاز بيعه وأخذ العوض؛ فإن فيه القطع.
ففي المعونة على مذهب عالم المدينة (13) :"كل ما جاز بيعه، وأخذ العوض عليه جاز أن يقطع في سرقته كسائر الأموال، ويقطع في سائر المتمولات التي يجوز بيعها وأخذ العوض عنها".
وفي بداية المجتهد (14) :"العلماء متفقون على أن كل متملك غير ناطق يجوز بيعه وأخذ العوض منه؛ فإنه يجب في سرقته القطع ما عدا الأشياء التي أصلها مباحة فإنهم اختلفوا في ذلك؛ فذهب الجمهور إلى أن القطع في كل متمول يجوز بيعه وأخذ العوض فيه، وقال أبو حنيفة: لا قطع في الطعام ولا فيما أصله مباح كالصيد والحطب والحشيش" (15) .
والراجح ما ذهب إليه الجمهور، ولا حاجة هنا لعرض الخلاف والأدلة؛ لأن السيارة على كلا القولين مما يجب القطع بسرقتها؛ إذ هي خارجة عن محل الخلاف.
وقد يعدل القاضي من القطع إلى التعزير لفوات شرط أو حصول مانع أو شبهة، ذلك أن العقوبات - كما هو معلوم - نوعان (16) :
1 -عقوبات مقدرة في الشرع، لا يزاد فيها ولا ينقص، وهي الحدود كحد القتل، والزنا، والسرقة، وغيرها إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع.
2 -عقوبات على معاصٍ، لا حدّ فيها ولا كفّارة، وهي التي تسمى"التعزير"، وهي راجعة إلى اجتهاد الوالي بحسب ما يحصل به المقصود، وتكون بالضرب وبالحبس وبالتوبيخ وبالمال، كل أحد بحسب ذنبه، وبحسب حاله.
المطلب الثالث: شروط السرقة.
يثبت حد القطع إذا توافرت الشروط المعتبرة في السرقة، وهذه الشروط، هي (17) :
1 -أن تكون السرقة من حرز (18) ، وحرز كل شيء بحسبه، والمحكَّم في ذلك العرف - كما سيأتي- وهو يختلف باختلاف الأموال والأمكنة والأزمنة والأحوال.
2 -أن يكون المسروق مملوكًا ملكًا تامًا لغير السارق.
3 -أن يكون المسروق محترمًا؛ فلا قطع على من سرق آلة تستخدم للمعصية؛ كأن تستخدم في الغناء والطرب، أو في تزوير وتزييف النقود، أو في إجهاض الأجنّة ونحو ذلك، وكذلك لا قطع في سرقة كتبًا محرمة؛ كالمشتملة على كفر أو شركيات أو سحر وكهانة ونحو ذلك؛ لأن كل هذه الأشياء غير محترمة، بل محرمة، يجب إتلافها وإفسادها.
4 -انتفاء الشبهة، بألا يكون فيه شبهة استحقاق للسارق؛ لأن وجود الشبهة يدرأ الحد، تبعًا للقاعدة المطردة في كتاب الحدود، وهي درء الحدود بالشبهات، وأهل العلم متفقون على ذلك (19) .
5 -أن يكون المسروق نصابًا.
ومقدار نصاب السرقة الموجب للقطع هو - على الصحيح- ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، أو ما تبلغ قيمته ذلك.
6 -مطالبة المسروق منه بماله.
7 -ثبوت السرقة بالإقرار مرتين أو بشهادة عدلين.
فإذا سرق مكلف سيارة مع توافر الشروط السابقة وجب إقامة حد السرقة عليه بقطع يده، وذلك حفظًا للأموال التي بها قوام الحياة، ولأن المال محبوب إلى النفوس تميل إليه الطباع البشرية وخاصة عند الحاجة، ومن الناس من لا يردعه عقل، ولا يمنعه نقل، ولا تزجرهم الديانة، ولا تردهم المروءة والأمانة، فلولا الزواجر الشرعية من القطع والصلب ونحوهما، لبادروا إلى أخذ الأموال مكابرة على وجه المجاهرة، أو خفية على وجه الاستسرار، وفيه من الفساد ما لا يخفى؛ فناسب شروع هذه الزواجر حسمًا لباب الفساد، وإصلاحًا لأحوال العباد (20) ، والله _تعالى_ أعلم.
المبحث الثاني: حقيقة الحرز.
المطلب الأول: معنى الحرز في اللغة والاصطلاح.
الحرز في اللغة (21) : مأخوذ من الحفظ والتحفظ، يقال: حرزته واحترز هو، أي: تحفظ، وأصل الحرز في اللغة الموضع الحصين، والمكان الذي يحفظ فيه، والجمع أحراز، وأحرزت المتاع جعلته في الحرز.
وفي الاصطلاح: تعددت عبارات الفقهاء في بيان المراد منه، مع وجود التقارب في بيانه، ومن تعريفاتهم للحرز ما يلي:
1 -عرفه الموصلي بأنه:"ما يصير به المال محرزًا عن أيدي اللصوص (22) ."