الصفحة 248 من 431

2 -وعرفه ابن رشد بأنه:"ما من شأنه أن تحفظ به الأموال كي يعسر أخذها، مثل: الأغلاق والحظائر، وما أشبه ذلك (23) ."

3 -وعرّفه القرطبي بقوله:"الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله (24) ."

4 -وعرفه الماوردي بأنه:"ما يصير به المال محفوظًا (25) ."

5 -وعرّفه الحجاوي بقوله:"وحرز المال ما العادة حفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره، وقوته وضعفه (26) ."

ومن هذه التعاريف يظهر التواطؤ بين المعنى اللغوي والشرعي للحرز: من أن الحرز هو المكان المعدّ لحفظ المال فيه، كما نجد أن النقول متفقة على أن حرز كل شيء بحسبه، وأنه يختلف باختلاف الأموال والأمكنة والأزمنة والأحوال ونحو ذلك (27) ،والله أعلم.

المطلب الثاني: ضابط الحرز.

لم يرد في الشرع للحرز حقيقة اصطلاحية، بحيث إذا أطلق تبادرت إلى الأذهان، كما هو الحال في الصلاة والصوم والنكاح وغيرها؛ بل ترك ذلك لما يتعارف الناس عليه بما يعرفون ويألفون، وهذا يعني أن مفهوم الحرز قابل للتبدل بحسب اختلاف الأعراف زمانًا ومكانًا.

ولأنه لم يرد للحرز تعريف محدد في اللغة أو الشرع؛ فإن المرجع في بيان معناه هو العرف؛ لأن مقتضى قاعدة الأسماء المطلقة في الشريعة الإسلامية هو اعتبار الحقيقة الشرعية؛ فإن لم يوجد فيها تحديد فاللغوية؛ فإن لم يوجد فيها تحديد فالعرفية.

وقد نص الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على أن كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع؛ فالمرجع فيه إلى العرف (28) .

قال ابن قدامة - رحمه الله تعالى:

"والحرز ما عدّ حرزًا في العرف؛ فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه عُلم أنه ردّ ذلك إلى أهل العرف؛ لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته؛ فيرجع إليه، كما رجعنا إليه في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك" (29) .

وبناءً على ما قرّره العلماء -رحمهم الله تعالى- فيما سبق يتبين أن ضابط الحرز وتحديد مفهومه إنما مرجعه إلى العرف، وأن الإحراز يختلف باختلاف المُحرزات وكيفية إحرازها زمانًا ومكانًا، ومن الأمور التي ذكر بعض العلماء أن الأحراز تختلف بناءً على اختلافها وتفاوتها ما يلي:

1 -اختلاف جنس المال ونفاسته.

2 -اختلاف البلدان؛ فإن كان البلد واسع الأقطار كثير الدعّار- أي: المفسدين- غلظت أحرازه، وإن كان صغيرًا قليل المارّ، لا يختلط بأهله غيرهم خفت أحرازه.

3 -اختلاف الزمن؛ فإن كان زمان سلم ودعة خفّت أحرازه، وإن كان زمان فتنة وخوف غلظت أحرازه.

4 -اختلاف السلطان؛ فإن كان عادلًا غليظًا على أهل الفساد خفّت أحرازه، وإن كان جائرًا مهملًا لأهل الفساد غلظت أحرازه.

5 -اختلاف الليل والنهار؛ فيكون الإحراز في الليل أغلظ لاختصاصه بأهل العبث والفساد (30) .

وقد يضاف إلى ما سبق:

6 -اختلاف البلاد وتفاوتها من حيث الحكم بشرع الله _عز وجل_، وتطبيقه في الأحكام بعامة وفي الحدود بخاصة؛ فلا شك أن البلد الذي يطبّق أحكام الشرع يقلّ فيه المفسدون فتقل أحرازه، والبلاد التي لا تطبق شرع الله _تعالى_ يكثر فيها المفسدون فتغلظ أحرازها.

وجملة ما سبق أنه يعتبر في الحرز شرطان (31) :

الشرط الأول: العرف.

الشرط الثاني: عدم التفريط.

وذلك لأن المال المحرز هو ما لا يُعدّ صاحبُه مضيعًا.

المطلب الثالث: أنواع الحرز.

الحرز نوعان:

1 -حرز بنفسه، ويسمى حرزًا بالمكان، وهو كل بقعة معدة للإحراز يمنع الدخول فيها إلا بإذن كالدار والبيت.

2 -وحرز بغيره، ويسمى حرزًا بالحافظ: وهو كل مكان غير معدِّ للإحراز، لا يمنع أحد من دخوله؛ كالمسجد والسوق،

ولما كان ضابط الحرز وتحديد مفهومه يرجع إلى العرف، وهو يختلف باختلاف الزمان والمكان ونوع المال المراد حفظه، وباختلاف حال السلطان من حيث العدل أو الجور، ومن حيث القوة أو الضعف؛ فقد اختلف الفقهاء في الشروط الواجب توافرها ليكون الحرز تامًا، وبالتالي يقام الحد على من يسرق من.

فذهب الحنفية (32) إلى أن الحرز بنفسه: كل بقعة معدة للإحراز يمنع دخولها إلا بإذن، كالدور والحوانيت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت