كان القود لا المثلة""
[صحيح ابن حبان، حديث (4473) (324/ 10) ] .
وقال البخاري في صحيحه: باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق؟
وقال ابن حجر: كأنه أشار بذلك إلى تخصيص النهي في قوله:"لا يعذب بعذاب الله"إذا لم يكن ذلك على سبيل القصاص [فتح الباري (1447/ 2) ] .
ومما تقدم نخلُص إلى ما يأتي:
1.أن التمثيل بقتلى الكفار يشرع من جهة المعاملة بالمثل؛ لسمل النبي _صلى الله عليه وسلم_ أعين العرنيين، و لما جاء في سبب نزول قوله _تعالى_:"وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..." (النحل:126) .
2.أن ادِّعاء النسخ لحديث العرنيين مردود من جهتين:
ـ أولا ًَََ:- افتقاره إلى التاريخ، و قد مر قول الحافظ ابن كثير أن رواية جرير للحادثة تدل على تأخرها، إذ كان إسلامه بعد نزول سورة المائدة، والتي فيها قوله _تعالى_:"إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ" (المائدة: من الآية33) .
ـ ثانيًا:- أنه لا يُصار إلى النسخ مع إمكان الجمع، فإن قلنا: إن النهي عن المثلة للتنزيه فلا تعارض أصلاًَََ، وإن قلنا النهي للتحريم فإنه عام مخصص بكون التمثيل معاقبة بالمثل.
3.أن النبي جمع للعرنيين بين حد الحرابة - فقطع أيديهم وأرجلهم - والقصاص بسمل أعينهم.
4.أن حد الحرابة لا يختص بالمسلمين، و قد نص ابن عباس _رضي الله عنه_ على أن آية"إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا ..." (المائدة: من الآية33) ، نزلت في المشركين فيما رواه عنه أبو داود و النسائي من طريق عكرمة، و هو قول طائفة من السلف، و قد روى البخاري عن أبي قلابة صاحب ابن عباس _رضي الله عنه_ وهو راوي حديث العرنيين - أنه قال في العرنيين:"فهؤلاء سرقوا و قتلوا و كفروا بعد إيمانهم و حاربوا الله و رسوله"اهـ.
و بناءً عليه يتبين أن حد الحرابة لا يختص بالمسلمين، بل يقام على الكفار إن فعلوا فعلهم، و لكن ينبغي التنبه إلى أن مجرد محاربة الكفار للمسلمين، و استباحتهم دماء المسلمين و أعراضهم و أموالهم، ليس هو الموجب بحد ذاته لإقامة حد الحرابة عليهم؛ إذ كان هذا متحققًا فيمن حاربهم النبي _صلى الله عليه و سلم_ و نهى عن المثلة بمقاتليهم، لكن ثمة معنى آخر مراد لتحقق ذلك فيهم، والمسألة بحاجة لزيادة تحرير، والله _تعالى_ أعلم.
5.أن التمثيل بالكفار إن مثَّلوا بالمسلمين يندب و يتأكد إن كان فيه زيادة في الجهاد أو نكالًًا، أو دعاءًا لهم إلى الإيمان، أو زجرًا لهم عن العدوان، كما أفاده شيخ الإسلام _رحمه الله_.
6.أن تحريم المثلة من حيث الإطلاق ليس محل إجماع، بل إن القول بكراهة المثلة من حيث الإطلاق قول قوي، وهو متوجَه طائفة من السلف، و قد مال إليه النووي _رحمه الله_ وهذا القول قد يُفهم من أمره _صلى الله عليه و سلم_ ابتداءً بتحريق رجلين ثم رجوعه عنه، وقوله:"لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله"، أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_ كما تقدم.
لاسيما إذا أضيف إلى ذلك نهي النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن الاكتواء بالنار، ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس _رضي الله عنه_ أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال:"الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي"، وقد كوى به معاذ، وسئل عنه فرخص فيه وهو كاره.
والجامع بين التحريق بالنار والكي ظاهر، إذ كلٌ منهما فيه تعذيب بعذاب الله وهو النار، ويفترقان في كون التحريق لمصلحة التنكيل بالكفار والكي يكون لمصلحة العلاج، ولعل هذا ما فهمه من صح عنه التمثيل في القتل من أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ _كما سيأتي_، والله _تعالى_ أعلم.
• الحالة الثانية التي يجوز فيها المثيل في القتل: