ثانيًا: ما جاء في الصحيحين عن أنس _رضي الله عنه_: (أن قومًا من عكل وعرينه اجتووا المدينة فأمرهم النبي بلقاح، و أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذود،
فبعث النبي _صلى الله عليه و سلم_ في طلبهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم"، أخرجه البخاري حديث (1430) (546/ 2) ،و مسلم حديث (1671) (1296/ 3) ."
قال الباجي _رحمه الله تعالى_:"أما ما روي عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنه أمر بالعرنيين الذين قتلوا رعاء رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ واستاقوا نَعَمَه، فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، فقد روى سليمان التيمي عن أنس _رضي الله عنه_: أنهم كانوا فعلوا بالرعاء مثل ذلك، و مثل هذا يجوز من مثَّل بمسلم أن يُُمثَّل به على سبيل القصاص"، [المنتقى شرح الموطأ (172/ 3) ] .
يشير الإمام الباجي _رحمه الله تعالى_، إلى ما أخرجه مسلم في صحيحه بإسناده عن سليمان التيمي عن أنس _رضي الله عنه_ قال:"إنما سَمَل النبي أعين أولئك؛ لأنهم سَمَلوا أعين الرعاة"، كما أخرجه الترمذي والبيهقي عنه أيضًا، إلا أن الرواية اقتصرت على تسميل العين، ولم يرد فيها قطع أيدي وأرجل الرعاة، و هو تمثيل زائد عن القصاص، إنما جاء ذلك عند بعض أهل المغازي على ما نقله القاضي عياض وابن حجر _وسيأتي_ وجميع الروايات الواردة في القصة، والتي أخرجها الشيخان وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وعامة أصحاب السنن والمسانيد، لم تأت فيها رواية واحدة تفيد قطع أيدي وأرجل الرعاة، بل جميعها تقتصر على ذكر قتلهم للرعاة، وعليه فإن ما رواه بعض أصحاب المغازي لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحاح الثابتة عن أهل الحديث _رحمهم الله جميعًا_، كما ورد عند النسائي في المجتبى عن أنس _رضي الله عنه_: أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ صلبهم [حديث (4028) ] ، و قد ضعفه الشيخ الألباني _رحمه الله تعالى_.
وقال القاضي عياض:"اختلف العلماء في معنى حديث العرنيين هذا، فقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة فهو منسوخ، وقيل: ليس منسوخًا وفيهم نزلت آية المحاربة، وإنما فعل بهم النبي ما فعل قصاصًا؛ لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك، وقد رواه مسلم في بعض طرقه، ورواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأهل السير والترمذي، وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام" [شرح صحيح مسلم (154/ 11) ] .
و قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) :"و مال جماعة منهم ابن الجوزي على أن ذلك وقع عليهم على سبيل القصاص؛ لما عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس _رضي الله عنه_ قال: إنما سمل النبي أعينهم؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة .... إلى قوله: وتعقبه ابن دقيق العيد بقوله: إن المثلة وقعت من جهات وليس في الحديث إلا السمل، قلت - أي ابن حجر -: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي أنهم مثَّلوا بالراعي."
وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين _رضي الله عنه_ في النهي عن المثلة:"هذا الحديث ينسخ كل مثلة"،و تعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ، قلت: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_ في النهي عن التعذيب بعد الأذن فيه، و قصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة _رضي الله عنه_ و قد حضر الإذن ثم النهي، و روى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود، و لموسى بن عقبة في المغازي: ذكروا أن النبي _صلى الله عليه و سلم_ نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، و إلى هذا مال البخاري وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي إلى أن قال في فوائد الحديث: و فيه قتل الجماعة بالواحد، سواء قتلوه غيلة أو حِرابة إن قلنا: إن قتلهم كان قصاصاًَ، و فيه المماثلة في القصاص و ليس ذلك من المثلة المنهي عنها" [فتح الباري (1/ 341) ] ."
و قال الحافظ ابن كثير:"قد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنيين، هل هو منسوخ أو محكم؟ فقال بعضهم: هو منسوخ، و زعموا أن فيها عتابًا للنبي _صلى الله عليه و سلم_، كما قال الله _تعالى_:"عفا الله عنك لم أذنت لهم" (سورة التوبة- 143) ، و منهم من قال هو منسوخ بنهي الرسول _صلى الله عليه و سلم_، وهذا القول فيه نظر، ثم صاحبه مطالب ببيان الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ، و قال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين و في هذا نظر؛ فإن قصتهم متأخرة و في رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها، فإنه أسلم بعد نزول المائدة، و منهم من قال لم يسمل النبي _صلى الله عليه و سلم_ أعينهم، إنما عزم على ذلك حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين، وهذا القول أيضًا فيه نظر؛ فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل و في رواية سمر" [ابن كثير (57/ 2) ] .
قال الحافظ أبو حاتم بن حبّان:"المثلة المنهي عنها ليس القود الذي أمر به؛ لأن أخبار العرنيين المراد منها"