و نقل النووي عن القاضي عياض قوله:"و اختلف السلف في معنى حديث العرنيين، وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه" [شرح النووي لصحيح مسلم (154/ 11) ] .
و هذا الذي مال إليه النووي في شرحه حديث بريدة حيث قال:"و في هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، و هي تحريم الغدر و تحريم الغلول، و تحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا وكراهة المثلة" (37/ 12) ، وانظر (فقه الجهاد و القتال) لمحمد حسنين هيكل (1306/ 2) .
و بناءً على ذلك أقول _وبالله التوفيق_: بتأمل نصوص الشرع ومقاصده، و أفعال الصحابة الكرام، و أقوال أهل العلم _رحمهم الله تعالى_، يظهر أن النهي عن المثلة ليس على إطلاقه بل هو مشروع في أحوال حتى عند من قال: إن النهي عن المثلة على التحريم.
الأحوال التي تجوز فيها المثلة:-
• الحالة الأولى: أن يكون التمثيل معاملة بالمثل:
و يستدل لذلك بما يلي:
أولًا:- قوله _تعالى_:"وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ" (النحل:126) .
قال الشعبي و ابن جريج:"نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثِّل بهم لنمثِّلن بهم فأنزل الله فيهم ذلك" [ابن كثير (653/ 2) ] .
و قال القرطبي: أطبق جمهور أهل التفسير على أن هذه الآية مدنية، ونزلت في شأن التمثيل بحمزة يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري في كتاب السير، و ذهب النحَّاس إلى أنها مكية، و المعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالًا حسنًا؛ لأنها تتدرج الرتب من الذي يدعى و يوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله، لكن ما روى الجمهور أثبت، روى الدار قطني عن ابن عباس قال: لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فرأى منظرًََا ساءه، رأى حمزة قد ُشق بطنه، و اصُطِلم أنفه، وجُدعت أذناه، فقال:"لولا أن يحزن النساء أو أن تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع و الطير، لأمثِّلن مكانه بسبعين رجلًا"، ثم دعا ببردة و غطى بها وجهه فخرجت رجلاه، فغطى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وجهه، وجعل على رجليه الإذخر، ثم قدمه فكبر عليه عشرًا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع و حمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة، و كان القتلى سبعين، فلما دفنوا و فرغ منهم نزلت هذه الآية"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ" (النحل: من الآية125) إلى قوله:"وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ" (النحل: من الآية127) ، فصبر و لم يمثل بأحد" [تفسير القرطبي (132/ 10) ] ، وكذا أخرجه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه بإسناده عن أبيّ بن كعب بنحو هذه القصة [تفسير ابن كثير (653/ 2) ] ."
قال شيخ الإسلام:"أما التمثيل في القتل فلا يجوز إلا على وجه القصاص، و قد قال عمران بن حصين رضي الله عنه: ما خطبنا رسول الله خطبة إلا أمرنا بالصدقة و نهانا عن المثلة، حتى الكفار إذا قتلناهم فإنا لا نمثل بهم و لا نجدِّع آذانهم و لا نبقر بطونهم، إلا أن يكونوا فعلوا ذلك بنا فنفعل بهم ما فعلوا، و الترك أفضل كما قال _تعالى_:"وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..." (النحل:126) ، قيل: إنها نزلت لما مثَّل المشركون بحمزة و غيره من شهداء أحد، فقال: لئن ظفرني الله بهم لأمثِّلن بضعفي ما مثلوا بنا، فأنزل الله هذه الآية، و إن كانت قد نزلت قبل ذلك بمكة ... ثم جرى بالمدينة سبب يقتضي الخطاب فأنزلت مرة ثانية، فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_: بل نصبر" [مجموع الفتاوى (314/ 28) ] .
و نقل صاحب الفروع عن الإمام أحمد أنه قال:"إن مثَّلوا مُثل بهم"
ذكره أبو بكر.
و قال شيخنا - شيخ الإسلام:"المثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء و أخذ الثأر، و لهم تركها و الصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد، ولا يكون نكالًا لهم عن نظيرها، فأما إن كان في التمثيل الشائع دعاء لهم إلى الإيمان، أو زجر لهم عن العدوان، فإنه هنا من إقامة الحدود و الجهاد المشروع، و لم تكن القضية في أُحُد كذلك؛ فلهذا كان الصبر أفضل، فأما إن كانت المثلة حق لله _تعالى_ فالصبر هناك واجب، كما يجب حيث لا يمكن الانتصار و يحرم الجزع"
[الفروع (219/ 6) -الفتاوى الكبرى (545/ 5) ] .