الثاني: الرخصة الفقهية، وهو المراد هنا، وقد جاء هذا المعنى وفق الاستعمال اللغوي؛ فهو بمعنى التسهيل والتخفيف، وتتبع الرخص هو طلب التخفيف في الأحكام الشرعية.
وقد ذكر جمع من أهل العلم تعريفات لتتبع الرخص، أذكر منها ما وقفت عليه:
1 -عرفه الزركشي بأنه:"اختيار المرء من كل مذهب ما هو الأهون عليه" (5) .
2 -وعرّفه الجلال المحلي بقوله:"إن يأخذ من كل مذهب ما هو الأهون فيما يقع من المسائل" (6) .
3 -وحكى الدسوقي وغيره من المالكية تعريفين:
الأول:"رفع مشقة التكليف باتباع كل سهل".
الثاني:"ما يُنقض به حكمُ الحاكم من مخالفِ النص وجلي القياس" (7) .
4 -وعرّفه المجمع الفقهي بأنه:"ما جاء من الاجتهادات المذهبية مبيحًا لأمرٍ في مقابلة اجتهادات أخرى تحظره" (8) .
5 -وعرّفه بعض الباحثين بأنه:"تطلّب السهولة واليسر في الأحكام، فمتى ما رأى المتتبع للرخص الحكم سهلًا في مذهب سلكه وقلّده فيه، وإن كان مخالفًا لمذهبه هو الذي يلتزم تقليده" (9) .
المطلب الثاني: الفرق بين تتبع الرخص والتلفيق.
يمكن إيضاح الفروق بين الأمرين في الآتي (10) :
1 -أن تتبع الرخص يكون بأخذ القول الأخف والأسهل، وأما التلفيق فحقيقته الجمع بين قولين، وبناء على ذلك؛ فإنه قد
يكون بأخذ القول الأخف والأسهل، وقد يكون بأخذ القول الأثقل.
2 -أن تتبع الرخص يكون في الحكم، ويكون في أجزائه، وأما التلفيق فإنه لا يكون إلا في أجزاء الحكم الواحد لا في جزئيات المسائل.
3 -تتبع الرخص ليس فيه إحداث قول جديد في المسألة، وإنما يتّبع الإنسان رخصة قال بها بعض العلماء، وأما التلفيق فإن القول الناتج عنه لم يقل به أحد من العلماء، وإنما هو جمعٌ أو تصرّفٌ في أقوال العلماء.
• المبحث الثاني: حكم تتبع الرخص.
• تحرير محل النزاع:
1 -اتفق الفقهاء على أن الانتقال إذا كان للتلهي فهو حرام قطعًا؛ لأن التلهي حرام بالنصوص القاطعة، وذلك كأن يعمل الحنفي بالشطرنج على رأي الشافعي قصدًا للهوى (11) .
2 -نصّ الإمام أحمد وغيره أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجبًا أو حرامًا ثم يعتقده غير واجب أو غير حرام بمجرّد هواه، مثل أن يكون طالبًا لشفعة الجوار فيعتقدها أنها حق له، ثم إذا طُلب
منه شفعة الجوار اعتقد أنها ليست ثابتة اتباعًا لقول عالم آخر، فهذا ممنوع من غير خلاف (12) .
3 -كما ينبغي أن يخرج من محل النزاع أن المجتهد إذا أوصله اجتهاده إلى رأي في مسألة أنه لا يترك ما توصل إليه، بل عليه المصير إلى ما أدّاه إليه اجتهاده (13) .
4 -ما عدا ما سبق؛ فقد اختلفوا فيه على أقوال، أشهرها ثلاثة:
القول الأول:
منع تتبع الرخص مطلقًا،
وإليه ذهب ابن حزم، والغزالي، والنووي، والسبكي، وابن القيم، والشاطبي (14) ،
ونقل ابن حزم وابن عبد البر الإجماع على ذلك (15) .