الصفحة 305 من 431

المماطلة في الديون، كالسجن، والضرب، والمنع من فضول المباحات، وبيع المال ونحوه، ولم يذكروا التعويض المالي عن ضرر المماطلة، مما يدل على أنه متقرر لديهم أن التعويض المالي للدائن بسبب المطل أنه داخل في الربا المحرم، سواء كان مقابل التأخر، أو فوات الربح المتوقع، أو الضرر الفعلي؛ إذ هو زيادة في دين مقابل زيادة في أجل السداد (55) .

المناقشة:

نوقش بأن الفقهاء لم يبحثوا هذه المسألة في عصرهم؛ لعدم حاجتهم إليها، إذ لم يكن أمر التجارة من الأهمية والتأثير مثل ما أصبح عليه في العصر الحاضر، وكان وصول الدائن إلى حقه في عصرهم ميسورًا وسريعًا، بخلاف ما عليه الوضع الآن من طول الإجراءات وتأخرها (56) .

الإجابة:

أجيب عن المناقشة بما يلي:

عدم التسليم بأن الفقهاء لم يبحثوا هذه المسألة، بل إنهم بحثوها إلا أنهم لم يُلِحُوا عليها، ولم يتوقفوا عندها كثيرًا؛ لكونها في نظرهم من مسلمات الفقه، إذ هي مشمولة بعموم نصوص القرآن والسنة في تحريم الربا، ومنه: الزيادة في الدَّين مقابل التأخير (57) .

وبيانًا لذلك يقال: إن الفقهاء من خلال استقراء كلامهم في المماطلة، وما يشابهها من أحكام، يظهر أنهم لا يرون التعويض المالي مقابل تأخر المال، وأن المماطل ليس عليه إلا أداء المال لصاحبه، وأن المطل لا يوجب زيادة في الدَّين، ولا يستحق به غلة المال، وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: أن أكثر العلماء فسروا العقوبة في الحديث: بأنها الحبس، وقد فسرها بذلك وكيع، وسفيان الثوري، وابن المبارك.

قال ابن المنذر:"أكثر من نحفظ قوله من علماء الأمصار وقضاتهم يرون الحبس في الدَّين، وممن نحفظ ذلك عنه: مالك، وأصحابه، والشافعي، والنعمان، وأصحابهما، وأبو عبيد، وبه قال سوار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن، وقد روينا هذا القول عن شريح، والشعبي، وكان عمر بن عبد العزيز يقول:"يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس" (58) ."

وقال الجصاص:"جعل مطل الغني ظلمًا، والظالم لا محالة مستحق للعقوبة، وهي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره" (59) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت