الصفحة 306 من 431

وقال ابن تيمية:"يعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، ولا أعلم في هذا خلافًا" (60) .

وقال أيضًا:"ولو كان قادرًا على أداء الدَّين وامتنع، ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره، إذا لم يتعد حدود الله" (61) ، والقول بالتعويض المالي عن ضرر المماطلة في الديون تعدٍ على حدود الله، فيمنع منه؛ لأنه ربا.

فظهر بما سبق أن السابقين يرون زجر المماطل بالعقوبات الرادعة، وهم متفقون على عدم القول بجواز التعويض المالي للدائن على مدينه المماطل؛ إذ لو قيل به لنقل، فالقول بالتعويض اجتهاد جديد في مقابلة هذا الاتفاق (62) .

قال الدكتور أحمد فهمي أبو سِنَّة:"لم يقل أحد من العلماء بتغريمه - أي المماطل- مالًا، فالفتوى بأن المدين تجوز عقوبته بتغريم المال .... اجتهاد جديد في مقابلة الإجماع" (63) .

ثانيًا: أن الفقهاء تكلموا عن مسائل - أشد من المماطلة في الديون - تُمنَعُ فيها الأموال عن أصحابها أزمانًا طويلة ظلمًا وعدوانًا، ولم يوجبوا فيها إلا ضمان المثل، ككلامهم في الأموال المسروقة، والمغصوبة، وأموال الأمانات المعتدى عليها، وربح المال المغصوب، فيقاس عليها تضمين المماطل رأس المال فقط وعدم تغريمه من باب أولى.

ومن أقوال الفقهاء في المال المغصوب ما يلي:

قال في الهداية:"ومن غصب شيئًا له مثل، كالمكيل والموزون، فهلك في يده، فعليه ... ضمان مثله ... ؛ لأن الواجب هو المثل" (64) .

وقال في المعونة:"الشيء المغصوب مضمون باليد، فمن غصب شيئًا فقد ضمنه إلى أن يرده، فإن رده كما غصبه، سقط عنه الضمان ولزم المالك قبوله" (65) .

وقال في (روضة الطالبين) :"ما كان مثليًا ضمن بمثله" (66) .

وقال في (المغني) :"وما تتماثل أجزاؤه وتتقارب صفاته كالدراهم والدنانير .... ضمن بمثله بغير خلاف" (67) .

ومن أقوالهم في المال المسروق ما يلي:

قال ابن المنذر:"وأجمعوا أن السارق إذا قطع ووجد المتاع بعينه، أن المتاع يرد على المسروق منه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت