الصفحة 374 من 431

ثم ذكر صورًا أخرى فقال:"ومنها البيع، فإذا جمع بين حلال وحرام في صفقة واحدة، فإن كان الحرام ليس بمال كالجمع بين الذكية والميتة، فإنه يسري البطلان إلى الحلال لقوة بطلان الحرام، وإن كان الحرام ضعيفًا كأن يكون مالًا في الجملة كما إذا جمع بين المدبر والقن ... فإنه لا يسري الفساد إلى القن لضعفه ..." (68)

وقال الكاساني:"كل شيء أفسده الحرام، والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه". (69)

وقد أفاض الفقيه ابن رشد في هذه المسألة، نذكر مها ما يلي: حيث قال:"فأما الحال الأولى: وهي أن يكون الغالب على ماله الحلال، فالواجب عليه في خاصة نفسه أن يستغفر الله _تعالى_، ويتوب إليه برد ما عليه من الحرام ... أو التصدق به عنهم إن لم يعرفهم ... وإن كان الربا لزمه أن يتصدق بما أخذ زائدًا على ما أعطى ..."

ثم قال:"وإن علم بائعه في ذلك كله رد عليه ما أربى فيه معه فإذا فعل هذا كله سقطت حرمته، وصحت عدالته، وبرئ من الإثم، وطاب له ما بقي من ماله، وجازت مبايعته فيه وقبول هديته وأكل طعامه بإجماع من العلماء".

واختلف إذا لم يفعل ذلك في جواز معاملته، وقبول هديته، وأكل طعامه، فأجاز ابن القاسم معاملته، وأبى ذلك ابن وهب وحرمه أصبغ ...

ثم قال ابن رشد:"وقول ابن القاسم هو القياس؛ لأن الحرام قد ترتب على ذمته، فليس متعينًا في جميع ما في يده من المال بعينه شائعًا ... وأما قول أصبغ فإنه تشديد على غير قياس".

وأما الحال الثانية: وهي أن يكون الغالب على ماله الحرام فالحكم فيما يجب على صاحبه في خاصة نفسه على ما تقدم سواء.

وأما معاملته وقبول هديته فمنع من ذلك أصحابنا، قيل على وجه الكراهة -وعز هذا القول إلى ابن القاسم- وقيل على وجه التحريم إلا أن يبتاع سلعة حلالًا فلا بأس أن تشترى منه وأن تقبل منه هبة ... (70)

وقال العز بن عبد السلام:"وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة ... (71) ومثله قال الزركشي" (72)

بل إن السيوطي ذكر أن الأصح عند فقهاء الشافعية -ما عدا الغزالي - أنهم لم يحرموا معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه، ولكن يكره، وكذا الأخذ من عطايا السلطان إذا غلب الحرام على يده كما قال في المهذب: إن المشهور فيه الكراهة، لا التحريم خلافًا للغزالي ... قال في الإحياء:"لو اختلط في البلد حرام لا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت