إضافة إلى قاعدة:"الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة"-كما سبق ذكرها- وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الشراء ممن في ماله شبهة لا كراهة فيه إذا وجدت الحاجة إليه. (83)
وتنزيل هذه القاعدة على موضوعنا من حيث إن حاجة الناس إلى أسهم الشركات في عالمنا الإسلامي ملحة، فالأفراد كلهم لا يستغنون عن استثمار مدخراتهم، والدول كذلك بحاجة إلى توجيه ثروات شعوبها إلى استثمارات طويلة الأجل بما يعود بالخير على الجميع، ولو امتنع المسلمون من شراء أسهم تلك الشركات لأدى ذلك إلى أحد أمرين:
أحدهما: توقف هذه المشروعات التي هي حيوية في العالم الإسلامي.
ثانيهما: غلبة غير المسلمين على هذه الشركات، وعلى إدارتها، أو على الأقل غلبة الفسقة والفجرة عليها.
لكن لو أقدم على شرائها المسلمون المخلصون لأصبحوا قادرين في المستقبل على منع تعاملها مع البنوك الربوية ولغيروا اتجاه الشركة لصالح الإسلام.
وهذا لا يعني أن المسؤولين القادرين في الشركة وفي غيرها على التغيير معفون عن الإثم، بل هم آثمون، لكن عامة الناس لهم الحق في شراء هذه الأسهم حسب الضوابط التي نذكرها، ولذلك لو كان المساهم قادرًا على منع الشركة من إيداع بعض أموالها في الشركة لوجب عليه ذلك.
مناقشة الرأي الأول المانع من تداول هذا النوع من الأسهم:
أولًا: أن وجود نسبة ضئيلة من الحرام في المال الحلال لا يجعله حرامًا، وإنما يجب نبذ المحرم فقط -كما سبق تفصيله-.
ثانيًا: أن اشتراط البعض في حل الأسهم أو التعامل مع الشركات وجود رقابة شرعية لشركتها لا نجد له دليلًا من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس صحيح، فالمسلمون مؤتمنون على دينهم وعلى الحل والحرمة، وهم مستورون، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
"والمسلم إذا عامل معاملات يعتقد جوازها كالحيل ..."التي يفتي بها من يفتي ... جاز لغيره من المسلمين أن يعامله في ذلك المال، ثم قال:"وأما المسلم المستور فلا شبهة في معاملته أصلًا، ومن ترك معاملته ورعًا كان قد ابتدع في الدين بدعة ما أنزل الله بها من سلطان" (84)
بل إن التعامل مع الكفرة جائز فيما ليس محرمًا بالاتفاق، يقول ابن تيمية:
"... وحينئذ فجميع الأموال التي بأيدي المسلمين واليهود والنصارى لا يعلم بدلالة ولا أمارة أنها مغصوبة،"