الصفحة 376 من 431

فأجاب:"إذا كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة وإن كان الحرام هو الأغلب، قيل بحل المعاملة، وقيل: بل هي محرمة، فأما المعاملة بالربا فالغالب على ماله الحلال إلا أن يعرف الكره من وجه آخر. وذلك أنه إذا باع ألفًا بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال، بل له أن يأخذ قدر الحلال، كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر، فإنه يقسم بين الشريكين، وكذلك من اختلط بماله الحلال والحرام أخرج قدر الحرام، والباقي حلال له" (76)

وسئل عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام؟ فأجاب: يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى صاحبه، وقدر الحلال له، وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته تصدق به عنه (77)

وقريبًا من ذلك يقرره ابن القيم موضحًا أن"التحريم لم يتعلق بذات الدرهم -أي الدرهم الحرام الذي اختلط بماله- وجوهره، وإنما تعلق بجهة الكسب فيه، فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبق لتحريم ما عداه معنى ... وهذا هو الصحيح في هذا النوع، ولا تقوم مصالح الخلق إلا به" (78)

وعلى ضوء هذا المبدأ نرى كثيرًا من أهل العلم أجازوا التعامل مع من كان في ماله حرام، ولكن غالبه حلال، ومن هنا يمكن القول بإباحة التعامل في هذا النوع من الأسهم، ولكن يخرج صاحبها بقدر نسبة الحرام فيها إلى الجهات الخيرية العامة، مع مراعاة الضوابط التي نذكرها في الأخير (79)

ثانيًا: قاعدة: يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، وقد ذكرنا هذه القاعدة مع دليلها من السنة الصحيحة المتفق عليها. (80)

وعلى ضوء ذلك فهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعًا، وليست أصلًا مقصودًا بالتملك والتصرف، فما دامت أغراض الشركة مباحة، وهي أنشئت لأجل مزاولة نشاطات مباحة، غير أنها قد تدفعها السيولة أو نحوها إلى إيداع بعض أموالها في البنوك الربوية، أو الاقتراض منها.

فهذا العمل بلا شك عمل محرم يؤثم فاعله (مجلس الإدارة) لكنه لا يجعل بقية الأموال والتصرفات المباحة الأخرى محرمة، وهو أيضًا عمل تبعي وليس هو الأصل الغالب الذي لأجله أنشئت الشركة.

ثالثًا: قاعدة: للأكثر حكم الكل، وقد ذكرنا فيما سبق نصوص الفقهاء في حكم المال المختلط بالحرام، حيث إن الجمهور على أن العبرة بالأغلب -كما سبق- (81) وقد ذكر الفقهاء لهذه القاعدة تطبيقات كثيرة في أبواب الطهارة، والعبادات، والمعاملات، اللباس -كالحرير- والصيد، والطعام، والأيمان، وغيرها. (82)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت