يقول ابن عبد البر:"والذين أحرموا قبل الميقات من الصحابة والتابعين كثير" (14) .
واعترض ابن حزم على الاستدلال بهذه الآثار فقال:"إن عمر بن الخطاب قد عاب على عمران إحرامه من البصرة، وعاب عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر (15) إحرامه من خرسان، فعمر وعثمان - رضي الله عنهما - لا يعيبان عملًا صالحًا ولا مباحًا، وإنما يعيبان ما لا يجوز عندهما، وأما بقية الآثار عن الصحابة والتابعين فليس هناك ما يدل على أنهم مروا على الميقات، ومن لم يمر على الميقات فليحرم من حيث شاء" (16) .
ويمكن أن يُجاب عن هذا الاعتراض: بأن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - لم يأمرا من أحرم قبل الميقات بإعادة الإحرام أو بشيء من الجزاء، فدل ذلك على أنهما يريان كراهة ذلك لا عدم جوازه.
وأما قول ابن حزم:"وبقية الآثار ليس فيها ما يدل على أنهم مروا على الميقات ..."، فيُجاب عنه بأن الأصل أنهم مروا على الميقات، إذ إن هذه المواقيت قد جُعِلت على طريق القادم إلى مكة، وكذلك فليس في هذه الآثار ما يدل على أنهم سلكوا طريقًا غير تلك الطرق المعتادة التي تمر على المواقيت. والله أعلم.
وبعد أن أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين، وغيرهم من أهل العلم (غير أهل الظاهر) على جواز الإحرام بالحج والعمرة قبل المواقيت المكانية، اختلفوا في هل الأفضل الإحرام من الميقات أم الإحرام قبله؟ على قولين:
القول الأول: الإحرام من الميقات أفضل، ومن أحرم قبله صح إحرامه مع الكراهة.
روي ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما (17) ، وبه قال الحسن، وعطاء، وإسحاق
رخص صلى الله عليه وسلم للضعفة كالنساء، ومن في حكمهن في تعجيل الدفع من المزدلفة ليلًا
(18) وهو مذهب المالكية (19) ، والحنابلة (20) ، وقول في مذهب الشافعية (21) .
القول الثاني: الإحرام قبل الميقات المكاني جائز بدون كراهة، بل هو الأفضل.
وهو مذهب الحنفية، وعن أبي حنيفة أنه إنما يكون الإحرام قبل الميقات أفضل إذا كان يملك نفسه أن لا يقع في محظور (22) .
استدل أصحاب القول الأول بالسنة والأثر والمعقول.
فمن السنة:
1 -أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضي الله عنهم - إنما أحرموا من الميقات، ولا يفعلون إلا الأفضل، ولو كان الإحرام قبل الميقات أفضل لما تواطأ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك الأفضل واختيار الأدنى، وهم أهل التقوى والفضل، وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، ولهم من الحرص على الفضائل والدرجات ما لهم (23) .