أباة الحق معشر ذميم، وإخوان سوء، يتألم أحدهم من أن يرى غيره في نعمة، فحذاري حذاري أن تكون لهم وليا ونصيرا، وكن من ذوي العدل والنصف، فالانصاف حلة الأشراف، واقبل الحق ولو على نفسك بارتياح، ولا تستثقله فإن استثقال الحق يشين بالمرء ...
روت كتب الأدب أن منذر بن سعيد البلوطي دخل مصر، وحضر مجلس أبي جعفر النحاس وهو يملي أخبار الشعراء، فأنشد أبو جعفر أبيات مجنون ليلى هكذا:
خليلي هل بالشام عينٌ حزينة ... تُبَكِّي على نجد لعلي أعينها
قد اسلمها الباكون إلا حمامةٌ ... مطوقةٌ باتت وبات قرينها
تجاوبها أخرى على خَيْزَرانةٍ .... يكاد يُدَنِّيها من الأرض لينها
فأراد منذر أن ينبه على أن قراءة:"باتت وبات"من عجز البيت الثاني بالتاء المثناة خطأ، فقال: يا أبا جعفر ماذا أعزك الله باتا يصنعان؟
فقال أبو جعفر: كيف تقول أنت يا أندلسي؟
قال منذر: بانت وبان قرينها، بالنون الموحدة.
قال منذر بن سعيد: فسكت ابن النحاس وما زال يستثقلني، ثم عاد بعد حين إلى ما كنت أعرفه منه، يعني من الإقبال والحفاوة.
ماذا يعيب على ابن النحاس لو أنه تلقى تصويب ابن المنذر بصدر رحب، وفرح ولم يستثقل الحق .. ألم يكن ذلك حري به وبمثله من العلماء والأجلة؟!!
قلَّةُ الإنصاف تُبْعِد ما بين العاملين للإسلام، وكم من تَجَافٍ نَشَأَ بين أخوين وصديقين وإنما نشأ من جحود أحدِهما بَعْضَ ما يتحلى به الآخر من فضل، أو من رَدِّه عليه رأيًا أو روايةً وهو يعلم أنه مصيبٌ فيما رأى، أو صادقٌ فيما روى، وصدق الحكيم العربي إذ يقول: