نفهم ما وعدنا به من ذلك، مع علمنا أن حقائق ما في الآخرة ليست كحقائق ما في الدنيا، ولكن بين ما في الدنيا وما في الآخرة مشابهة واشتراك من بعض الوجوه، وبذلك نفهم المراد، فنحب النعيم ونرغب فيه، ونكره المؤلم وننفر عنه، فنعرف معنى العسل واللبن والحرير والذهب، ونفرق بينهما لما عرفناه من نظريها في الشاهد، وإن كانت حقائقها في ما هي عليه لا يعلمها إلا الله تعالى، كما قال جل وعلا: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] .
فإن كان هذا في صفات المخلوق، فكيف في صفات الخالق عزَّ وجلَّ، فإنها أشد مباينة" [1] ."
ضلت طوائف الصوفية مع من ضل في معنى الغيرة لله تعالى، وقد ذكر ذلك أحدهم بقوله:"إذا وصف الحق سبحانه بالغيرة فمعناه: أنه لا يرضى بمشاركة غيره معه، فيما هو حق له من طاعة عبده" [2] .
وهذا مبني على تعريفهم للغيرة بأنها:"كراهية مشاركة الآخرين" [3] .
فالسبب في هذا الضلال تخبطهم في معنى لفظ
(1) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري 1/ 336، 337.
(2) الرسالة القشيرية ص 255.
(3) انظر: المصدر السابق، الصفحة نفسها.