الذي هو باب واسع يطمع في تصنيفه كل طامع، فإن أصبت فبها، وإن أخطأت فعلى الإمام ما سها، والعذر مقبول عند أهل الكرم والنهى ... ، ثم قال: كذا الكلام في بيان الرباطات والمناسبات بين السور والآيات، وفي أنواع التكريرات وأصناف المشتبهات، فإن للخواطر والظنون فيها مجالا، وللناس الأكياس في استنباط الوجوه والنسب هنالك مقالا، فعليك أيها المتأمل الفطن والمنصف المتدين أن لا تبادر في أمثال هذه المقامات إلى الاعتراض والإنكار". [1] "
والنيسابوري -رحمه الله- كان صوفيًا كبيرًا، أفاض من روحه الصوفية الصافية على تفسيره، فنراه لذلك يستطرد أثناء التفسير إلى كثير من المواعظ المبكيات، والحكم الغاليات، كما نراه في تأويله الإشاري بمثل الفلسفة التصوفية بأعلي أنواعها.
مثال: عند قوله تعالى: {وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ} [البقرة: 67] قال:"ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية؛ فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني، وهو الجهاد الأكبر، موتوا قبل أن تموتوا. اقتلوني يا ثقاتي، إن في قتلي حياتي، وحياتي في مماتي، ومماتي في حياتي، مت بالإرادة تحيا بالطبيعة" [2] .
ومثال آخر عند قوله تعالى: {إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 173] قال:"الميتة جيفة الدنيا، والدم وهي الشهوات النفسانية" [3] .
"والتفسير الإشاري لا يكون مقبولًا إلا بشروط خمسة وهي:"
1.ألا يتنافى مع ما يظهر من معنى النظم الكريم [4] .
(1) ينظر (النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان 6/ 607) .
(2) المرجع السابق 1/ 314.
(3) المرجع السابق 1/ 474.
(4) مثل قوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق:7] فالآية في نفقة الزوجة, لكن أرباب السلوك يرون فيها إشارة إلى أن الواصل يرشد إلى الله على قدر ما وهبه الله من المعرفة، ينظر (مقال لعبد الفتاح بن صالح قديش بعنوان التفسير الإشاري (دراسة تأصيلية (
ذو الحجة / 1426 هـ.