عيشهم الشديد وطعامهم الزهيد فرفع يده عنه استحياءً وقناعة قلب ونزاهة نفس ومع ذلك فقد كان حسنه وصفاؤه ينم عن أنعم عيش!
في عام من أعوام مكة التي كان غول القحط ينسب مخالبه في معاشهم وتفترس أنيابه قوتهم قالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام، كأن وجهه شمس غلب شعاعها الأفق، فالتحف الكون نورها، حوله غلمان يبدو بينهم كلؤلؤة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بإصبعه الغلام، وما في السماء بادرة على إقبال الحياة، فأقبل السحاب من ههنا وههنا، وأغدق وأغدودق، وانفجر الوادي وأخضب النادي والبادي.
وجه صبوح تعلوه أنوار، صاف كسماء يوم صائف، ويسأل سائل غريب قادم إلى مكة: من الطفل وما شأنه؟ ويستشرف له قادم مختلف، وينشد عمه أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامي عصمة للأرامل
من أعلم أبا طالب أن ابن أخيه ملجأ وغياث لليتامى، عصمة للأرامل؟ وهو اليتيم الذي يبحث في بيت عمه وبين أبنائه عن مكان؟ أكان يقرأ الغيب في ذلك الوجه الأبيض المنير؟! أم أن الغيب حين أنزل المطر حتى