واختبأ في غار ثور في قمة جبل ثلاث ليال، وتجندت أسرة الصاحب لنجاح الرحلة، الصاحب يدخل الغار قبله ليواجه أي خطر قبل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وابنه عبد الله يبيت عندهما ويدلج مكة بسحر فيصبح فيها يعي أخبار المشركين، والراعي يزودهما باللبن ويعفي بغنمه آثار ابن أبي بكر، أما أسماء فلا يستطيع أبو جهل استجوابها فيلطمها حتى إذا قررا الخروج من الغار شقت نطاقها تعلق به سفرة المهاجرين فحملت من يومها لقب - ذات النطاقين - وقريش ترصد العيون والمكافأة، ويجد فرسانها وقصاص الأثر في الطلب فينتشروا في الأودية والجبال، ويصلون إلى الغار، والطلب بعين الله وفي معيته، والله غالب على أمره {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] .
ويرتحل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه من الغار، ويمهد له أبو بكر الطريق، يسير عن يمينه تارة وعن يساره أخرى، ومرة من أمامه وخلفه أخرى، فإن يهلك فإنما هو رجل، وإن يصب رسول الله تهلك الإنسانية.
وتبدأ ذرات التراب تفاخر غيرها شرف المسير عليها، تجذبه أكثر فأكثر، وتودعه ذرات تراب مكة منتحبة صارخة آلمها الفراق، وبين تهلل وأنات التراب قاربت الحكاية على النهاية.