لو كان قصده ما قيل إنه بمعنى ضيَّق أو بمعنى قدَّر عليَّ العذاب، لقال: يا أبنائي افعلوا هذا، فوالله لئن جازاني ربي ليعذبني عذابًا شديدًا، ولم يقل: لئن قدر علي، فتكون القدرة والتقدير خارجين عن المقصود،"كما هو الخطاب المعروف في مثل ذلك"يعني فالناس عادةً لا يلجئون إلى خطاب بعيد المعنى مع إمكان الخطاب بخطاب معروف واضح، وهذا الرجل لم يكن في مقام بلاغة، حتى يأتي بالمعاني البعيدة، بل في مقام موت، يريد أن يقول لأولاده شيئًا واضحًا سهلًا يفهمونه.
لفظ (قَدِرَ) بمعنى ضيق لا أصل له في اللغة
قال:"ولأن لفظ (قَدرَ) بمعنى ضيّق لا أصل له في اللغة".
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تبحرُّه وتوسُّعه في لغة العرب معروف، فقد جاء إليه مرة أبو حيان، بكتاب سيبويه، وبدأ يفتخر به على شيخ الإسلام، فقال له شيخ الإسلام: اسكت، فإن في كتاب سيبويه ثمانين خطأً.
فقد كان رحمه الله حجة في اللغة.
يقول:"ومن استشهد على ذلك"، أي على أن قدَّر بمعنى: ضيق،"بقوله: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ:11] ، وقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق:7] فقد استشهد بما لا يَشْهَد له فإن الله قال: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7] ، وكما قال عز وجل: وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [سبأ:35 - 36] ، وقال في آية أخرى: وَيَقْدِرُ لَهُ [العنكبوت:62] ."