يقول المصنف رحمه الله:"لكن تأول تأويلًا أخطأ فيه، إما مجتهدًا وإما مفرطًا مذنبًا، فلا يقال: إن إيمانه حبط بمجرد ذلك"أي أنه: قد يحبط إيمانه بأسباب أخرى مثلما قلنا في المعتزلة، فإنَّ منهم من كُفِّر بعينه لأنه قال القول ولديه عقائد فاسدة باطلة غير ذلك القول، ولكن من المعتزلة من لم يكفر؛ لأنه أخذ القول المنسوب إلى ذلك الكافر أو الملحد ظانًا أنه هو الحق والهدى، حتى إن الذين كفَّروا ابن أبي دؤاد وبشر المريسي من العلماء لم يكفر كثير منهم المعتصم أو المأمون لما اتبعوا قول المعتزلة في مسألة خلق القرآن وجلدوا الإمام أحمد وغيره؛ لأنهم كانوا يعلمون أن هؤلاء الخلفاء لبس عليهم، فترى أن هؤلاء العلماء كفروا المشير بالجلد والتعذيب ولم يكفروا من قام بتنفيذ ذلك، وذلك لأن من أشار بذلك عالم يعرف الأدلة، وقد اقترن بقوله هذا اعتقادات فاسدة أوجبت تكفيره عند من كفره. ومقصدنا هو أننا لا نقول: يحبط عمل المبتدع بمجرد هذه البدعة التي هي غير مكفرة وربما تكون مكفرة، فيكون القول في ذاته كفرًا ولكن صاحبه لا يكفر.
ثم قال المصنف:"إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي، بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة"أي: القول بأنه كفر وحبط عمله، هو من جنس قول الخوارج والمعتزلة في أصحاب الكبائر العملية.
ومن ورد الشرع بتكفيره فلا نقول: إنه لا يكفر، ولا نقول: إنه يكفر ويحبط عمله؛ وذلك حتى نفرق بين المقالة والقائل. فمثلًا: نفي رؤية الله في الآخرة ونفي الصفات ونفي القدر ... كل هذه المقالات كفر، بل ونقول: (يكفر قائلها) إطلاقًا عامًا، لكن القائل المعين هو الذي فيه التفصيل، فمن كفر قائل هذه المقالات كائنًا من كان وحكم بأن عمله يحبط رددنا عليه، ومن قال: إن قائل ذلك لا يكفر بأي حال نرد عليه أيضًا ولا نقره على قوله.
من درس: التكفير وضوابطه (الحلقة الرابعة)