أي: أن الثلاثة الذين خلِّفوا لن يرجعوا عن الدين مهما كان، بل الهجر يزيدهم خوفًا، كما كان واقع حالهم من بكائهم، وما غشيهم من الهمِّ والكرب، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وأظلمت الدنيا في وجوههم، وهجرهم أحبُّ الناس إليهم ممن يعرف صدقهم وإيمانهم، ومع ذلك لم يزدهم ذلك إلا خوفًا وخشيةً وطمعًا في توبة الله عليهم، ولما أرسل ملك الغساسنة إلى كعب بن مالك يرغبه باللحاق به، سجر بكتابه التنور، فأمثال هؤلاء لا يخشى عليهم.
لكن المؤلَّفة قلوبهم، لو أغضبوا أو هجروا فإنهم قد يرتدون؛ لأن ضعيف الإيمان يستجيب لعدوه وعدو دينه؛ لأنه قابل للفتنة، لذلك لا يهجر؛ بل يتألف حتى يدخل في الإسلام أمثاله من المؤلفة قلوبهم، أما من كان حاله كحال هؤلاء الثلاثة من الصحابة رضوان الله عليهم فالواحد منهم يعرف الحق ويعلمه، فيعاقب ليرتدع ويرتدع أمثاله من المؤمنين.
أما المؤلفة قلوبهم فيتألفون، فمثلًا لو سمع الأعراب بأن شيخًا من مشايخ بني تميم أو غيرهم أُعطي مائة ناقة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن الفزاري، فستجد كل شيخ من شيوخ الأعراب .. يقول: نسلم لنأخذ مثلهم، فيدخل في الإسلام وتُسلم القبيلة، وربما هدى الله تعالى القبيلة أو كثيرًا منها عن إيمانٍ ويقين، وإن كان الشيخ أسلم من أجل الشاة والبعير والدرهم والدينار، ثم يصلح الله حاله ويحسن إيمانه، فهنا تحصل المصلحة للإسلام والمسلمين بهذا التأليف بخلاف الهجر.